أبسط طريقة -وأكثرها منطقية- نقدر نتخيّل ونتصوّر الوجود الإلهي من خلالها، هو إنه energy (طاقة) بتتحرك كـ wave (موجة). التصوُّر الكلاسيكي عن الوجود الإلهي إنه شخص كان ملائم جدًا للحالة الثقافية للفلسفة الإغريقية، اللي كانت بتشوف الوجود من خلال العلاقات، عشان كيان يكون له وجود لازم يكون في علاقة مع كيانات تانية، إحنا عشان معندناش الثقافة اليونانية القديمة، مورثناهاش، فبلغتنا الحديثة، ممكن نتخيل الوجود الإلهي كطاقة، نتخيلها wave. الـ wave عشان تكون موجودة لازم يكون عندها medium (وسيط) تتحرك فيه. أنا وأنت وكل الموجودات إحنا الوسيط ده، يمكن عشان كده المسيح كان بيعلم الناس إنه هو ”الحياة“.
الكون اللي إحنا شايفينه مش هو الـ matter (المادة) بقدر ما هو الـ relationships (العلاقات/الترابطات) اللي بين الـ matters. الذرة ٩٩.٩٩٪ منها فراغ، وجود الذرة -اللي هى أساس وجود كل المواد- سببه تماسك الكتروناتها حوالين نواتها رغم ان الالكترونات والنواة ميمثلوش ٠.٠١٪ من كل الذرة! ... الله -في قناعتي- هو الوجود نفسه، هو اللي بيضمن ترابط الكل، وجودك ووجودي ووجود كل شىء معتمد على إنه بيخترق الكل وبيعيش في الكل وبيضمن عدم تحلل الكل، زى الـenergy اللي محافظة على ترابط الذرة رغم إن مكونات الذرة ضئيلة جدا من الكيان الكلي ومتقدرش تتوجد من ذاتها، الـ energy ديه صورة من صور وجوده، حياتنا نفسها صورة من صور وجوده، وعشان كده الإيمان بـ”الشركة في الحياة الإلهية“ الأرثوذكسي مهواش -بالنسبة لي- رفاهية فكرية فلسفية، ولكنه أساس جوهري لتفسير كل شىء.
الـ energy ديه، المُوجَّهة والمُوجِّهة، واللي درجنا نسميها ”عاقلة“ (رغم إن العقلانية ترابط ذهني معتمد على معقولية ومنطق كوننا المحدود) محتاجة حركة دايمة، حركة من غير توقف، wave تنتشر في كل الاتجاهات وتخترق كل شىء وتربط كل شىء ببعض. الموت -اللي في صورته المادية بياخد شكل الخطية- مهواش مخالفة وصايا وعبث تصوره كعقوبة، ولكن الخطية هى الظل المرئي للموت، الاختيار الحر بمنع تدفق الفيض الإلهي فينا ومن خلالنا لغيرنا، إننا نحط معوقات تمنع الـ flow الإلهي ده إنه ينتشر ويستمر ويضمن وجود الكل فيه وبيه. بإننا نشيل نفسنا كحلقة وصل في تسلسل امتداد الوجود الإلهي، امتداد الحياة! الخطية هى الإنغلاق، الـ flow blocking (إعاقة الفيض الإلهي)، حتى لو كانت معتمدة ومبنية ومنطلقة من تصرف عادل وحقاني.
معظم الخطايا -في قناعتي- مصدرها ”العدل“، العدل هو نفسه خاطي، خاطي جدًا، مَيّت ومُمِيت. أول ما الإنسان يقول ده حقي إني اعمل كده، بيفقد تدفق الفيض الإلهي، بيقفل على نفسه في دايرة ده بتاعي مش بتاع غيري، ده لىّ أنا مش لغيري، ديه مساحة وجودي الخاصة اللي محدش مسموح له يدخلها ويقرب منها، بيفصل نفسه وبيكسر السلسلة اللي هو حلقة فيها، بيقطع الجسد الواحد ده ويظل منتظره يعيش! فيقفل على نفسه، وينعزل بأحقيته، ويشوف كل كيان كـ”آخر“ مش كـ”إحنا“، فيموت أولًا لإنه بينفصل عن الـ flow وبيموِّت غيره ثانيًا لإنه بيمنع الـ wave الإلهي إنها توصل لغيره من خلاله. نقيض الحب مش هو الكراهية ولكن الانغلاق على الذات والاكتفاء بها بأنانية!
وده بينعكس عمليًا في الحياة اليومية، بالعدل، بيبتدي الإنسان يفقد الدماثة بحجة الناس تستاهل معاملة صارمة، أو على الأقل حيلة دفاعية لمنع تلقي صدمات في الحياة بأسبقية توجيهها للغير، وسيلة دفاع بالمبادرة بالهجوم، حتى لو هجوم سلبي، يبتدي يفقد البذل لإن البذل ميل تاني مش في نطاق العدل مش في نطاق الإلزام والفرض والواجب، يبتدي يفقد الرغبة في مساعدة ومساندة غيره لإن كل واحد مسئول عن حالته ولازم يشيل شيلته، كل واحد منفصل بمصالح منفصلة وكيانات -ظنية/وهمية- منفردة، يبتدي يفقد اللطف بحجة إنه مش مُلزَم يقدمه لحد ولا ملزم يُجهَد فيه، ده العدل... العدل قاتل، قاتل للي بيطبقه وللي بيتطبق عليه. لو هنطبق العدل على نفسنا فإحنا منستحقش الوجود نفسه. عشان كده حصر التصور الإلهي في صورة ”العدل“ زىّ ما أشهر الديانات بتصوره هو إعدام للإله أو على أقل تقدير تحويله لقاتل مانع لاستمرارية الحياة، ويمكن ده سبب رئيسي إن رسالة المسيح كانت -عمليًا- بذل حبي غير مشروط مش العدل الدينوني ولا تطبيقاته المميتة.
الفيض الإلهي ده منظوره الإسقاطي في حياتنا الدنيوية له صور كتيرة: حياة، حب، جمال، خير، نمو، لطف ... إلخ، كل تجليّاته في حياتنا صعب حصرها لترابطها وتداخلها وتنوعها، بس منين ما بنقف منبهرين قدام شىء اختبرناه ولمسناه، بنعرف إننا لمسنا الفيض الإلهي، لمسنا الوجود والحياة الإلهية، لمسنا الإله ولقيناه وحسينا بوجوده. الوجود الإلهي من بُعد تاني غير اللي إحنا عايشين فيه، التلامس معاه بيكون من خلال الشعور والوعى، وديه sensors (مجسات) متعودناش نستخدمها كوسايل معرفة، ولكن اتعودنا نستخدمها كوسايل تعايش عشان نعبر عن حالتنا النفسية أو حالتنا الذهنية، بنستخدمها كـ outputs (مخرجات) مع إنها اتوجدت لنا كـ inputs (مدخلات) عشان نختبر الإله.
ولكن تفضل مجموعة أسئلة مفتوحة: هل أى كيان غير مُختَبَر وغير مرصود له وجود؟ ولا لازم يُرصَد ويُختَبَر عشان يكون موجود؟ هل ممكن لكيان إنه يكون هو الكينونة ذاتها؟ هل الكينونة غير المتنامية مائتة وتحتاج للامتداد للاستمرارية؟ هل إيجاد الموجودات كان عمل ضروري لضمان وجودية الواجد في صورة تلازمية؟ ... الأسئلة ديه محتاجة مساحة أكبر لمباحثات تانية أطول مش هقدر اطرحها لطول المقال