مفهوم لفظىّ العقوبة والغضب عند ق. كيرلس السكندري


ق. كيرلس الكبير في ”السجود والعبادة بالروح والحق“، في مقالته الأولى، بيستخدم مصطلحين مهمين: ”العقوبة“ و ”الغضب/السخط“، كمثال: ”ونحن المُستعبدون لشهواتنا، نثير غضب الرب علينا، بسبب وجود فكر ضعيف فى داخلنا“، وفي موضع تاني: ”نير العبودية القاسى قد وُضع علينا كغضب من الله“، مهم نفهم معاني الألفاظ بحسب فهم قائلها ومستخدمها وموظِّفها -نفسه- لها، مش بحسب فهمنا الحالي لها، عشان منسقطش عليها فهم قاصر متحيز درجنا عليه.

ق. كيرلس، في نقاشه مع بلاديوس، في نفس المقالة، بيوضح إن مفهوم الغضب/السخط الإلهي مختلف (مُغَاير للمفهوم الدنيوي المتداول)، وبيعتبر إن الغضب الإلهي هو إن العطف الإلهي يفارقنا، وإن العقوبة اللي بتعقبها هى إن الخطية ذاتها هى اللي تعذبنا مش أى كيان تاني (الله مثلًا!)، فبيقول: ”عندما نقول "أنت سخطت إذ أخطأنا" نقصد أنه إن لم يشملنا عطف الرب فلن يكون أمام الخطية أى عائق يمنعها عن تعذيبنا، وذلك بسبب ضعف طبيعتنا، مما يقود إلى سيادة الشر علينا“ (لاحظ مين اللي بيعذب كعاقبة)

وبيشرح أكتر ق. كيرلس، إن الغضب الإلهى يمثِّل الحزن الإلهي، وعقوبته هى استعباد الإنسان للشهوة، وفقدانه للمجد الإلهي، فبيقول: ”عندما نُحزن الله، بمحبتنا للمجد الباطل لا نستطيع الوقوف في مواجهة قوة الأعداء العاتية، وطالما أن الغضب الإلهى يُحاصرنا، سنصير عبيدًا بدلاً من أن نكون أحرارًا، وسنعيش حياة محتقرة بلا مجد“. العقوبة في الفكر الأرثوذكسي (اللّي بنشوفه في شرح ق. كيرلس)، مش مجازاة عدلية للخاطي، ولكن هى المعاناة اللي بتنتج من عبودية الشهوة، وندم الإنسان على عدم السَبْق بمقاومتها، فنلاقيه بيقول: ”إن حدث أن جذبته أى من تلك الأمور وهُزم من بريقها، فإنه سيشعر تلقائيًا بالمعاناة مما كان يجب عليه أن يقاومه بكل قوة“

العقوبة -بحسب ق. كيرلس- هى الحالة المرضية الاستعبادية (مش المجازاة العدلية ولا الانتقام الثأري)، وده اللي وضحه صراحةّ لما قال: ”إذن عندما لا نهتم بأنفسنا، وفي نفس الوقت تغيب عنا الرحمة السماوية ونُعاقب من أجل جهلنا، وانحصارنا التام في الوضاعة، ألاّ يتضح أننا سقماء وضعفاء؟ لأنه أى مرض من هذه الأمراض لا نعانى منه؟“. ومن المُلاحَظ، إن ق. كيرلس بيستخدم الألفاظ: ”عقوبة“، ”مرض“، ”عبودية“، بالتناوب للتعبير عن نفس الحالة، فنلاقيه بيعتبر الخضوع للعبودية خضوع مريض إراديًا/اختياريًا لمرضه، فبيقول: ”رهيب جدًا أن يخضع المرء ثانيةً بإرادته للمرض“

الخلاصة، إن ”الغضب الإلهي“ في الفرونيما الأرثوذكسية هو ”تخلي العناية الإلهية“، و ”العقوبة“ هى ”مرض الاستعباد للشهوة وفقدان المجد“ بالإضافة لما يعقبها من ”ندم السقوط“، وده اللي وضحه ق. كيرلس باستفاضة لبلاديوس في المقالة لما لخصها كالتالي: ”من يُفضّل حياة التهور، ويندفع إلى ملذات العالم ومسراته، وينغمس فيها بكل شهوته ومقدمًا كل كيانه للشياطين، عندئذِ ستتركه العناية السماوية ويصير صيدًا سهلاً لأولئك الذين يريدون اقتناصه. وهكذا، إذ يصير مطرودًا من المدينة المقدسة أى من فضيلته الأولى، منقادًا كأمر لا مفر منه، لإرادة هؤلاء الأقوياء. وستتركه العناية الإلهية، متحملاً الرحيل إلى بابل، أى بعيدًا عن حدود المدينة المقدسة التى يمجد فيها اسم الله. لذلك كل مَن عانى هذا المصير القاسى، كان يصرخ صرخات عظيمة، لأنه سقط في أيدى الأعداء. ولم يتحمل الحياة بالقرب منهم، إذ كانت حياة عبيد“

مهم جدًا لما نقرا أى لفظ، نفهم اللفظ وُظِّف أرثوذكسيًا من الآباء بأنهي معنَى (أو الأدق وظِّف من الأب الفلاني بأنهي معنى وغرض، لإن بين الآباء نفسهم فيه اختلافات terminology). الاجترار الآبائي للألفاظ المتداولة مش معناه -بالضرورة- اجترار معانيها الدارجة في الثقافة القانونية (الثوابية/العقابية)، عشان كده مهم دراسة فكر الأب القديس ككل، وعدم الاكتفاء بأى اقتباس اختزالي مقتطع له. الفرونيما الأرثوذكسية منظومة ضخمة تراكمية من ٢٠٠٠ سنة (في الحقيقة هى تمتد زمنيّا لأول ”طفرة آدمية“ لتكوين الوعى البشري)، صعب جدًا إعادة إنتاجها بصورة مغايرة أو الاقتباس الاقتطاعي منها لخدمة أى غرض وأى فكر هيتيرودوكسي.

أحدث أقدم