هل النوس هو التفعيل العقلاني للذهن؟


« في اللاهوت الأرثوذكسي، لا تشير النوس (νοῦς) إلى التفعيل العقلاني للذهن، بل تشير إلى الجزء من النفس الذي يتيح للإنسان أن يعرف الله، الجزء الأنقى من النفس، عيون النفس. 

للإنسان مركزين للمعرفة: النوس الذي هو العضو المناسب لاستقبال استعلانات الله، التي توضع فيما بعد في كلمات من خلال المنطق، والمنطق [العقلاني] الذي يدرك العالم المحسوس من حولنا.

كثيرًا ما أشار الآباء إلى النوس، حيث له دور محدد جدًا في اللاهوت وفقًا لخبرتهم وفهمهم. ورفض الآباء فكرة أنه يمكن للإنسان أن يكتسب معرفة الله عن طريق المنطق الاستطرادي (discursive reasoning) (διάνοια - ديانويا). لكن تُكتسب المعرفة الحقيقية لله من خلال تنقية النوس...  

فينمو العقل المُنَقَّى في معرفته لله من خلال التجربة الروحية، وليس من خلال المنطق الديالكتي، أو تطبيق التقنيات الفلسفية، أو اكتساب المهارات العقلية. المعرفة المنطقية/العقلية بالتالي هى أقل مرتبة من المعرفة الروحية أو الإدراك أو التصورات [عن الحقيقة الإلهية]، لإنها وظيفة الذهن (النوسي) وهي خارج نطاق العقل...

النوس ليس "شيئًا" موجودًا بداخلك، ولكنه القدرة على معرفة الله، والعلاقة مع الله. ويمتلك جميع البشر القدرة على معرفة الله كجزء من طبيعتنا البشرية، لأننا خُلِقنا لهذا الغرض. ولكن نتيجة السقوط اظلم النوس. ومن خلال إستنارة النوس يمكننا أن نعرف الله، ونصل إلى التأله (θέωσις)، أو الاتحاد مع الله.  

منذ السنوات الأولى للكنيسة، وحتى اليوم في التقليد الأرثوذكسي، تُدعى المعمودية المقدسة: "الاستنارة المقدسة"؛ فهى تمثل بداية عملية استعادة قدرتنا على معرفة الله وعلاقتنا به. في المعمودية والميرون نستقبل الروح القدس. وحينما يعيش الروح [القدس] ويعمل فينا، ننمو في قدرتنا على معرفة الله. 

نحن لا نكتسب معرفة حقيقية عن الله فكريًا أو من خلال مفاهيم عقلية، ولكن من خلال الاختبار المباشر الذي يحدث من خلال الشركة في النعمة الإلهية. فباستخدام مصطلح نوس لوصف قدرة الذهن هذه، ميزها الآباء تحديدًا عن عملية التفكير العقلاني، وهو ما نعتبره عادةً وظيفة الذهن...

تتشكل الفرونيما الأرثوذكسية (φρόνημα) عندما يستنير الإنسان ويُوَجَّه من الروح القدس. وهذا يتطلب أيضًا جهدًا واعيًا ومستدامًا من جانب الفرد. إن اكتساب الفرونيما ليس مجرد مسألة دراسة اللاهوت، أو الوقوف/الحضور في الكنيسة، أو تلاوة الصلاة بطريقة آلية [إلخ من الطقوس]!...

انظر ماذا كان ضروريًا لكل واحد منا لينضج من رضيع حديث الولادة إلى شخص بالغ مكتمل الأنشطة. كحديثي الولادة كنا لا نعرف ولا نفهم شيئًا. لكن تدريجيًا بمرور الوقت، توصلنا إلى فهم العالم من حولنا، من خلال الاختبار/التجربة والملاحظة (اللمس، التذوق، الشم، السقوط، الملاحظة)، من خلال الجهد (التقلُّب، الزحف، المشي، ركوب الدراجة)، من خلال التعليم (الأصوات اللفظية، الأبجدية، تعلم العد)، من خلال الاختلاط بالمجتمع (الأشقاء، وأبناء العم، وأطفال الحي، والفصول الدراسية، ومجموعات الأصدقاء، والمواعدة، ...إلخ).  

ببطء تعلمنا جميعًا كيف نعمل وتعلمنا التعامل في عائلتنا ومجتمعنا والعالم بأسره. لقد تعلمنا ما الذي يصلح وما لا يصلح. تعلمنا القواعد، منطوقة وغير منطوقة. تعلمنا ما هو متَوَقَّع منا، وما هو مقبول، ومتى نكون قد تجاوزنا الحد. هذا لا يختلف عما هو مطلوب للحصول على الفرونيما الأرثوذكسية؛ سيتحسن فهمنا، ويتعمق، وينمو باستمرار. بكوننا بالغين ناضجين، فإننا لا نتوقف أبدًا عن التعلم، وسنظل نخطئ في خطواتنا...

ولكن للأسف، لا يدرك العديد من المسيحيين الأرثوذكس الذين في المهد أنهم ظلوا أطفالًا في الإيمان على الرغم من قضاء كل حياتهم كمسيحيين أرثوذكس. لأن ليس لديهم فهم أو خبرة أكبر عن الله، ولا أي إيمان أعمق مما كان لديهم كأطفال؛ لأن الأرثوذكسية بالنسبة لهم قد اختزلت في سلسلة من الممارسات أو الإلزامات بدلاً من تبنيها كحياة كاملة في المسيح متجسدة/متحركة بالروح القدس.  

يجب أن تكون علاقتنا مع الله عملية نمو مستمرة بلا نهاية. لذلك، يجب ألا نفكر أبدًا أننا وصلنا -أخيرًا- إلى فرونيما أرثوذكسية لدرجة أننا لم نعد بحاجة إلى فحص أنفسنا وسلوكنا وتصرفاتنا. »

– مُتَرجَم عن كتاب ”الذهنية الأرثوذكسية، فهم واقتناء ذهن مسيحي أرثوذكسي“، الفصل الخامس بعنوان ”اقتناء فرونيما أرثوذكسية“، إصدار دار نشر الإيمان العتيق، بإنديانا، لسنة ٢٠٢٠، للاهوتية الأرثوذكسية د. يوجينيا قسطنطينو (دكتوراة في اللاهوت من جامعة لافال، وماجستير في اللاهوت من جامعة هارفارد اللاهوتية، وماجستير في اللاهوت والآبائيات من جامعة الصليب المقدس للأرثوذكس الشرقيين، وماجستير في اللاهوت التطبيقي من جامعة سان دييغو، وتشغل منصب الزمالة والدكتوراة في العديد من أقسام الدراسات اللاهوتية حيث تقوم بتدريس الدراسات الكتابية والمسيحية الأولى والآبائيات)
أحدث أقدم