ما وراء الجمال، قراءة في أطروحة فنية مثيرة للجدل


ما وراء الجمال، قراءة في أطروحة فنية مثيرة للجدل... عن إعادة انتاج أشهر أعمال ”دا فينشي“ في أولمبياد باريس... رحلة من عاصمة الفن والجمال إلى قناعات ورواسخ عقلك الخاصة، بعض الخواطر... 

الفن لغة عالمية، بتتجاوز الحواجز الجغرافية، والثقافية، والمجتمعية، والدينية... الفن مش مطالب يكون مستساغ من كل الناس، ولا أغلبهم، ولا حتى بعضهم، يكفي استساغته من طارحه حتى ولو الكل عارضه واستنفره. الفن واحد من أهدافه إنه يثير تساؤلات، يحفز التفكير، ويخلق حالة من الجدل تكسر رتابة الثوابت، حتى لو حالة الجدل انتهت برفض المادة المقدمة. الفن بيخلق حالة حوار داخلي وخارجي، في الحالة دي في ماهية الدين، استمراريته، ومكانته في المجتمع الغربي، ومستقبل تَقَبُّلُه وتطور اعتناقه وتقديسه.

بشكل شخصي، بالنسبة لي وبالنسبة لكتير الموضوع متمش اعتباره فيه أى إهانة (وبالمناسبة مبطالبكش تشوفه -بتفسيري الخاص- إنه مجرد مشهد عن ”العبثية الإنسانية الحالية، والتيه الوجودي“)، لكن بالنسبة لغيري ولكتير اعتبروه إهانة... ده يخلينا نفكر، هل الإهانة بتكون في الفعل بحد ذاته، ولا في تفسير متلقيه ومستقبله؟ هل للإهانة كيان موضوعي، ولا بتاخد كيانها من مستضيفها؟ هل هى فعل خارجي خارج سيطرتك، ولا انفعال داخلي ملهوش وجود الا جواك، من خليقتك الخاصة الذاتية (ومن المفترض إن انفعالاتك وردود أفعالك في نطاق سيطرتك)؟ هل الإهانة أنت مصدرها وموجدها وخالقها بمنهجية تعاملك وتفسيرك وانفعالك مع الحدث وسوء اختيارك لسقف توقعك؟ هل ممكن يكون للإهانة وجود، لو أنت مخلتهاش تسيطر على انفعالاتك؟ هل للإهانة وجود لو قناعاتك وإيمانياتك اللي أنت متبنيها ملهاش وجود؟

إيه تعريفك للحريات؟ هل تعريفك للحريات يشمل أحقية الآخر في اعتبار مقدساتك مدنسات، زاى ما انت بتعتبر مقدساته مدنسات، كمثال حرية العلاقات بين مماثلي الجنس بتعتبر من المقدسات المجتمعية في دول غربية كتيرة، في حين إنك بتعتبر إنه من حقك تنقدها وترفضها بل وتتهكم عليها باعتبارها مدنسات وتتهم متبعيها بأشنع الصفات. هل بتدي غيرك نفس أحقية اعتبار مقدساتك مدنسات وتوصيفها بحسب قناعاته؟ هل من حقه بحسب ثقافته وخلفياته يعبر عن استياءه من قناعاتك الدينية بالصورة اللي يشوفها مناسبة له؟ مين من حقه يحط تعريف وحدود الحريات وقت اختلاف التوجهات؟ اصل أنت يا عزيزي مش مركز الكون وكل الكواكب والمجرات بتدور حوالين قناعاتك!

مفيش فعل بيتعمل بدون دوافع، هل فكرت وحللت إيه الدوافع ورا الفعل ده؟ ولا اكتفيت بانفعال وخلاص؟ هل فيه دوافع سياسية وراه؟ هل فيه منهجية منظمة بتعتبر ده حلقة من سلسلة خريطة طريقها؟ هل فيه دوافع مجتمعية ومحاولات استقطاب مجتمعي؟ هل له أبعاد إعلامية مقصودة ومخططة؟ هل انت متخيل المعدين قالوا يالا نستفز اتنين ونص مليار مسيحي من الباب للطاق كده ؟ ولا فيه أبعاد وأهداف أكبر وأعمق؟ هل أنت متوقع حدث بالأهمية العالمية دي متمش التخطيط والتدبير لشهور وعدَّى على مئات البروفات والتعديلات والتغييرات .. فكر في الدوافع ومتنساقش ورا المنتج النهائي، الفكرة هنا مش عن نظريات المؤامرة (ده تصور ساذج)، ولكن عن هل بتقتصر رؤيتك على الظواهر، ولا بتتعمق لتحليل دوافعها وآثارها ونتايجها واتصالها ببقية الظواهر، هل حدود ربطك للظواهر مقصور على ظاهرها الخارجي؟ ولا بتتعمق لايجاد الترابط بين عناصرها اللي يبان في ظاهرها إنها متناثرة وغير مترابطة؟ 

إيه سبب الانفعال والرفض والامتعاض والهوجة دي؟ هل في قرارة نفس كل مؤمن احساس بهشاشة مكانة معتقده اللي يقدر أى مشهد يهزه جمعيا في تقدير مكانته في عقول معتنقيه، ويهز سلامة أتباعه الشخصية؟ هل في قناعاته لو متحركش (ولو حتى لفظيًا بالجهر بالاعتراض) لحماية قناعاته قناعاته مش هتصمد؟ هل هو خوف من المجهول؟ ولا خوف من ان استباحة المعتقدات يؤدي لتلاشيها وتبقى مطيّة؟ هل المعتقدات بالهشاشة دي؟ هل اللوحة نفسها هى اللي المقدسة، ولا اللي بتشير له؟ هل المشار له قابل للتأثر بتغيير معالم تمثيله فنيا من دافنشي لمشهد باريسي؟ ولا سبب الانفعال هو المساس بالهوية، اللي الشخص مش قادر فيها يفرق شخصه عن قناعاته عن انتماءاته؟ هل هو خلط بين الذات الخاصة مع الهوية المُتبنّاة انتقائيا أو تدجينيًا؟ 

هل العمل بيتوافق مع معايير الجمال الفني؟ هل بيثير الكاثارسيس كتطهير ارسطي بشكل مرئي؟ ولا فيه تجربة جمالية خاصة وفيه مفاهيم كانط عن احتواء معايير قيمية (حتى لو لمجموعة قيم مختلفة عن اللي بتتبانها)؟ ولا ابداعه الفني لاحتواءه تحدي للقيم التقليدية في محاولة لخلق منظومة قيم جديدة بحسب منظور نيتشه لقيمة الفن؟ هل بحسب روسو ده عمل فني لإنه بيؤهل المجتمع لتحدي ثوابته واعادة تقييمها بأى نتيجة توصلها؟ ولا نظرتك للفن مقصورة على التصور الاغسطيني ومعيارها الفن بيقرب من تصورك عن الإله الكلاسيكي ولا بيبعدك عنه؟ هل مقدساتك مقدسات مطلقة للكل واجبة الاحترام ولا احترامها مقتصر عليك بمنهج باسكالي؟ هل البشرية وصلت لحافة "موت المؤلف" كمنهج بنيوي زاى ما وصفها الفيلسوف رولان بارث؟ وفي المجمل، إيه معاييرك للفن والجمال والابداع؟ ايه منهجيتك ومدرستك في تحليل الجمال؟ إيه تعريفك لأدوات تقييم ال Aesthetics؟

دي دعوة للحوار بعقلانية وهدوء، اعتبر الحدث ده فرصة ورحلة لاكتشاف معاني ضمنية ورا العمل الجرئ ده، فكر في حدود حرية الفن في أوساط متنافرة الثقافات والثوابت والقيم، بص من زوايا مختلفة، وتجنب إصدار أحكام قاطعة. شارك رأيك واحترم الآراء المختلفة معاك. افتكر إن كل عمل فني هو مقدمة أطروحة فلسفية، مقدمة لأطروحة فكرية ووجدانية أنت اللي عليك توصل لنتيجتها، كل عمل فني هو دعوة لرحلة ملهاش نهاية جوة النفس والفكر، باب بيتفتح (ومش هيتقفل) للتأمل والتفكير والديالوج الداخلي قبل الخارجي، على المستوى الفردي والجمعي، أخدت الرحلة دي ولا اكتفيت بالصريخ والتنفيس والهجوم والدفاع؟. 
أحدث أقدم