« بالرغم من أن كل المسيحيين يؤمنون بالكتاب المقدس ككتاب مُوحَى به، لكنهم لا يتفقون على ما يعنيه هذا ولا حتى على كيف يتجلَّى وحى الروح القدس في الأسفار... كلًا من الأصوليين اليهود والمسيحيين يؤمنون بعصمة الأسفار، يؤمنون بأنها يجب أن تكون خالية من أى نوع من التناقضات بين السجلات، وأنها يجب أن تكون خالية من أى نوع من الأخطاء والغلطات بحسب العلم والتاريخ وأى معيار يمكن تخيُّله [كالمعايير الأخلاقية والمنطقية]...
يؤمنون أن الكاتب البشري كان -في الأساس- مجرد قناة [مَعبَر] للروح [القدس]، وبأن الكاتب البشري كتب بمعزل عن ظروفه التاريخية ومعرفته الشخصية، وكإنما بطريقة ما تم انتزاعه من الزمان والمكان، وحتى من ذهنه الخاص، ليقوم بعمل شيئ متسامٍ بالكُلْيَّة بدون تأثير التفكير البشري على الإطلاق!
من يؤمن بهذا المعتقد [عن عصمة الكتاب المطلقة] يؤمن به مدفوعًا بالخوف! فإنهم يخشون أنه إن لم يؤكدوا على أن الكتاب كامل بشكل مطلق على كل المقاييس وصحيح في كل التفاصيل بشكل مطلق في كل المقاييس العلمية والتاريخية، فوقتها [يظنون أنهم] سيعجزون عن التأكيد أن الكتاب حق في أيًا من تفاصيله، و[يظنون أنه] إن لم يكن كامل في كل مناحيه، فلا يمكن الاعتماد عليه في أى شيئ! وتلك هى النقطة [المحورية]، إذ وقتها [يظنون أنه] سيتوقف عن كونه كتابًا مقدسًا! لهذا السبب هم متعنتين/متحجرين فيما يختص به، لأن كل شيء على المحك بالنسبة لهم.
والسبب الذي يؤكد بسببه الأصوليين هذا [عن العصمة المطلقة للكتاب] ، هو أن في أذهانهم الكتاب [المقدس] له مصداقية/موثوقية ذاتية، يقف في موضع السلطة [الحاكمة] باستحقاقات خاصة، بخلاف كل شيئ آخر، فهم لا يؤمنون بالطبع بسلطة الكنيسة [كلا-تقليديين]، لأن لا كنيسة لديهم بالمعنى الذي لدينا للكنيسة [الكنيسة في الأرثوذكسية هى كل أعضاء جسد المسيح المتحدين فيه]، لا استمرارية [تقليدية] لكنيسة مُعَمِّرَة لديهم... [أما عندنا نحن] فالكنيسة هى من لها السلطة!
من لديهم هذا المنظور للعصمة، لا يدركون أن الكتاب [المقدس] هو منتج من الكنيسة، فالكنيسة سبقت الكتاب، الكنيسة جاءت قبل الكتاب، والمؤمنون الذين هم أعضاء في الكنيسة هم من كتبوا الكتاب، والكنيسة هى من قررت أى الكتب يُضَم للكتاب المقدس. لذا فالكتاب المقدس ليس فقط لم يكن ليوجد بدون الكنيسة، بل هو تالي لها، هو منتج لها، لهذا فلا يمكن فهمه وشرحه بشكل سليم إلا من خلال عيون الكنيسة...
عندما نقول أن الكتاب المقدس به نوعًا ما من الشق/العنصر البشري فيه، فهذا عادي، لأن الكنيسة [نفسها، المكوِّنة له] تتكون من بشر أيضًا، لهذا فوجود عنصر بشري في الكتاب المقدس لا يؤثر حقًا على نظرتنا للأسفار. أما عن ظنهم بأن الأسفار، يجب أن تكون بالكامل ولآخر تفصيلة مذكورة: بوحى الروح القدس، ومعصومة بشكل مطلق بحسب معاييرنا البشرية للعصمة، فهذا غير واقعي للغاية! وأمر يستحيل التشبُّث به منطقيًا! فإنه فقط بمعايير التاريخ، إذا نظرت من المنظور التاريخي، ستجد من أين أتى الكتاب المقدس [حيث تنافره مع المعايير والأبحاث التاريخية]، لذا فإن نظرت للكتاب نفسه، ستدرك بديهيًا أنه منتج إلهي الإيحاء بشري التدوين.
الكتاب [المقدس] فيه العديد من العناصر البشرية... الكتاب [المقدس] منتج من الكنيسة... فهو منتج أولاً من التقليد الشفاهي، ثم أعقب ذلك التناقل الكتابي الذي شارك فيه كلاهما: البشر مع الروح القدس، وأينما كان لديك تَدَخُّل من البشر في شيئ فلديك أخطاء!... ففي الكتاب [المقدس] لا نرى فقط الوحى الإلهي، بل نرى أيضًا العنصر الإنساني. وهذا هو السر الذي لا يمكن سبر غوره، كلاهما موجودان، وإن كنت أمينًا [في بحثك ودراستك] ستعترف بوجود الاثنين، وهذا ليس شيئ مَعِيب على الإطلاق، بل هو أمر رائع أن كلًا من البشر والروح القدس عملا معًا لينتجوا الكتاب [المقدس]، بمثل ما المسيح كلمة الله ولوغوس الله هو إنسانًا وإلهًا بالمثل الكتاب.
وبمثل ما نشارك الله في خلاصنا... من خلال عقيدة السينيرجيا، فإننا نشارك الله فيه [في تكوين الكتاب المقدس]، فبالعمل مع الله، شارك كُتَّاب الأسفار الكتابية الروح القدس في إنتاج أسفار الكتاب، لذلك فمن الواضح أن كلا من العناصر البشرية والإلهية موجودان [في تكوين الكتاب]. وكلاهما مهم في الكتاب المقدس، تمامًا كما كانا في شخص المسيح بكونهما الاثنين: ”شخص المسيح“. »
يُتبَع...
— اللاهوتية الأرثوذكسية د. ”جياني قنسطنطينو“، عن عظة ”الوحى والعصمة“، حزء ٣/١، مُفرَّغ صوتيًا ومترجم عن عظة بتاريخ ١٤ يونيو ٢٠٠٨، د. قنسطنطينو حاصلة على دكتوراة في اللاهوت من جامعة لافال، وماجستير في اللاهوت من جامعة هارفارد اللاهوتية، وماجستير في اللاهوت والآبائيات من جامعة الصليب المقدس للأرثوذكس الشرقيين، وماجستير في اللاهوت التطبيقي من جامعة سان دييغو، وتشغل منصب الزمالة والدكتوراة في العديد من أقسام الدراسات اللاهوتية حيث تقوم بتدريس الدراسات الكتابية والمسيحية الأولى والآبائيات.