« البعض يظنون إنه لن يصير كتابًا مقدسًا [طالما ليس به دقة تاريخية وعلمية]، وطالما لم يكتب يوحنا [بعض إصحاحات] بشارته، فهم يجدون أن هذا يتخطّى قدرتهم على التحمُّل، فيفقد البعض إيمانهم، أو يصيروا لا-أدريين، لَكَم هذه النظرة [الإيمانية] ضعيفة، أن يتم الاعتقاد أن الكتاب المقدس كامل/مثالي بطريقةً ما، فيؤخَذ بمكانة تفوق الأمور البشرية [بحيث يُفقَد الإيمان مع أول صدمة معرفية]؛ لأنه في الحقيقة، الكثير من الأشياء قد تم تغييرها في الأسفار، منذ أن تم كتابته في أول مرة إلى أن وصل لصورته التي آلت إلينا، من حين لآخر حدثت تغييرات [في النص]... لهذا أقول لكم أنه أمر خطير أن يتم تَبَنِّي نظرة للوحى بأنه بشكلٍ ما حُفِظ الكتاب المقدس بطريقة إعجازية من أى مشاركة بشرية، حتى في نسخه! لأن هذا ليس حقيقة ما حدث، وهو أمر محزن جدًا أن يفقد أحدهم إيمانه بسبب تلك الأمور [نتيجة لتصادمه مع الأبحاث العلمية على النص]...
على أية حالٍ، بغض النظر عما إذا كان النص من الرب أم لا [أى قال ما نُسِبَ له في الاقتباسات النصية]... سواء كان الرسول يوحنا قد ضم تلك الأجزاء في الأصل أم لا، فهي لا تزال مُوحَى بها [في الأرثوذكسية]، وما زالت تلك النصوص مقبولة ككتاب مقدس، والسبب [عندنا نحن الأرثوذكس] أن الكنيسة هي المعيار الذي يتم من خلاله الاعتراف بكون شيء ما مُوحَى به أم لا [إيمان الكنيسة هو الحاكم على صحة النص، وليس النص هو الحاكم على إيمان الكنيسة في الأرثوذكسية]... لذا ما أحاول قوله هو أن الوحى يجب أن يتخطَّى الكلمات ومنها إلى المفاهيم ثم إلى الحقيقة التي ينقلها؛ لذلك فمساعي الحفاظ على قداسة الكتاب المقدس يجب أن تكون من خلال الحفاظ على الفكرة [المنقولة] في الوحي [لا الألفاظ]، فلا يمكننا أن نسلبه [الكتاب] من بشريته.
مثلما حين نريد التأكيد على ألوهية المسيح، لا يمكننا تجاهل التأكيد بنفس الشدة على إنسانيته، هل يمكنك أن ترى ذلك [التماثل]؟ ألا ترى لماذا ليس من الجيد اتخاذ مواقف متطرفة في علم اللاهوت؟ لأنك ينتهي بك الأمر إلى الخطأ... لذا فإن الأرثوذكسية تقف في المنتصف بين هذين الطرفين، فلا تنكر مساهمة الإنسان ولا تنكر الوحى الإلهي، بل نحن نقبل كليهما. وكيف يعمل ذلك؟ لا نعرف ولا نحاول شرح ذلك، إنه ”سر عظيم“ [ملحوظة، الأرثوذكسية لا تعترف بمحدودية وتعدادية عدد الأسرار كسبعة]...
الوحى الأرثوذكسي بالروح القدس لا يعني أن الكتاب المقدس صحيح وفقًا للمعايير البشرية، ولا يعني أن العلم أو التاريخ يجب أن يتوافقا مع الأفكار التي لدينا فيه، ولكن يعني أنه موحَى به لأنه يعبر عن حقيقة الله... أترى كم هو سخيف الجدال حول كيف يجب أن يكون الكتاب المقدس صحيحًا وفقًا للمعايير العلمية؟... لا يمكننا أن نتوقع من المؤلف الكتابي أن يتجاوز ثقافته وزمنه، ولا أن يعبر عن أفكاره وفقًا لعصرنا، وإلا ما كان فهم أهل زمانه ما عَبَّر عنه لهم.
كمثال، أنتم تعلمون أن الكتاب المقدس يقول أن الأرض مسطحة وقائمة على أعمدة، لأن هذه هي الطريقة التي فهم بها الناس الأرض في تلك الأزمنة، فإذا كان بإمكاني إثبات أن الأرض ليست مسطحة ولا أنها قائمة على أعمدة، فهل يعني هذا أن الكتاب المقدس بأكمله غير صحيح؟!... لم يُكتَب الكتاب المقدس ليعلمنا العلم، فسواء كان يقول أن الأرض مسطحة أو مُكوَّرة لا يهم، لأنه لم يكن يحاول تقديم فرضيات علمية، بل كان يتحدث عن الله، أنه خالق الأرض، والأرض للرب، وكل ما عليها. لذلك لا يهم حقًا ما إذا كانت يقدم أطروحات علمية لا ترقى إلى مستوى معاييرنا العملية الآن...
الكتاب المقدس ليس فقط مُنتَج للروح القدس، وليس فقط مُنتَج للإنسان، بل لكليهما، تمامًا كما في حالة السينيرجيا συνεργία، حيث يجب على الإنسان أن يشترك مع الله... الروح القدس يلهم/يوحي للكاتب، ولكن الكاتب يشارك أيضًا من جانبه بما له، يشارك فعليًا في العمل المشترك في تكوين هذا الكتاب، وهذه السينيرجيا هى ما تم توصيفها لاحقًا على أنها وحى... للكتاب المقدس مؤلف إلهي ومؤلف بشري، وهذا ما يجعله فريدًا من نوعه. هذا ما يجعله رائعًا، بنفس الطريقة التي كان فيها المسيح فريدًا في تاريخ الكتاب المقدس، كان الكتاب المقدس فريدًا بين جميع الأدبيات. وهذه العلاقة المتبادلة بين المؤلف الإنساني والمؤلف الإلهي لا يمكن تقنينها أو تفسيرها/تحليلها، لكننا نقبلها بالإيمان، لأننا نرى أن كلاهما موجود، نرى مساهمة الكاتب الإنساني، ونرى أيضًا ذلك الامتياز المُلهَمَ/الموحَى به غير الملموس في الكتاب المقدس، والذي لا يوجد في أي عمل أدبي آخر مهما كان عظيماً...
لا يمكننا إنكار المساهمة الإلهية، لكننا لا يمكننا إنكار المساهمة البشرية أيضًا. كما ترى، علينا أن نفهم غاية/هدف الآخر من الكتاب المقدس فيما يتعلق بمناقشتنا للعصمة والوحى [فالبعض يستخدمه مخطئين لإثبات العقائد لذواتهم أو للآخرين]، أما لنا [نحن الأرثوذكسيون] فالكتاب المقدس كتاب إيمان، كتبه أناس مؤمنون لأناس مؤمنين [أى ليس غايتنا منه إثبات أى إيمانيات، لإننا مؤمنين بها بالفعل حتى من قبل تكوين الكتاب]... وليست الغاية من الكتاب المقدس أن يكون موسوعة لكل المعارف العلمية، ولا حتى لكل ما نحتاج إلى معرفته عن الله! ... لم يكتب الله كتابًا مقدسًا ولم يَقُله! ولا حتى يسوع كتب أيًا من أسفار الكتاب المقدس! »
— اللاهوتية الأرثوذكسية د. ”جياني قسطنطينو“، عن عظة ”الوحى والعصمة“، جزء ٣/٣، مُفرَّغ صوتيًا ومترجم عن عظة بتاريخ ١٤ يونيو ٢٠٠٨، د. قسطنطينو حاصلة على دكتوراة في اللاهوت من جامعة لافال، وماجستير في اللاهوت من جامعة هارفارد اللاهوتية، وماجستير في اللاهوت والآبائيات من جامعة الصليب المقدس للروم الأرثوذكس، وماجستير في اللاهوت التطبيقي من جامعة سان دييغو، وتشغل منصب الزمالة والدكتوراة في العديد من أقسام الدراسات اللاهوتية حيث تقوم بتدريس الدراسات الكتابية والمسيحية الأولى.