« هناك [في الكتاب المقدس] اختلافات في طريقة وصف الحدث، هناك عبارات علمية بمعاييرنا غير سليمة. النظرة الأرثوذكسية أن الروح القدس أوحَى الكل، ونحن لا ننكر هذا [نحن كأرثوذكس نختلف مع الأصوليين في مفهوم الوحى، لا في وجوده]، فمثلًا [نحن لا نؤمن بـ] صورة الوحى الإملائية، ولا بتصَوُّر أن الكاتب البشري لم يعد هو نفسه ولم يساهم بأي شيء من معرفته الخاصة ولا من شخصيته الخاص ولا بأسلوبه في إنتاج الكتاب.
بالنسبة لنا [كأرثوذكس]، الأمر شديد الوضوح والبديهية: لا يمكن للكتاب المقدس أن يكون صحيح حرفيًا ولا أن يكون دقيق من جميع النواحي. نحن لا ندخل في هذه الخلافات حول الخلق، وحول سفر التكوين، وكل تلك الأنواع من الجدليات، والنقاشات الرافضة للتطور مضللة [يضللون غيرهم بها] عند الذين يصرون على أنه يجب تفسير الكتاب المقدس حرفياً، فمن الواضح لنا [كأرثوذكس] أنه لا يمكن تفسيره دائمًا حرفيًا.
وبعد تقديم [الأصوليين] أطروحة التفسير الحرفي لخلق العالم، وهذا ما يفعله الناس اليوم [غير الأرثوذكس]، فإنهم يروجون لـ”عِلم الخلق“، هكذا يطلقون عليه ”عِلم الخلق“ [بالرغم من معارضته للمفاهيم العلمية]. لذا هناك البعض ممن يصرون على أن العالم خُلِق في ستة أيام! وعلى أن عمر الأرض ٥٠٠٠ عام! وأن البشر مشوا على الأرض بجانب الديناصورات... إلخ.
حسنًا، لنفترض أنك تخطيت هذين الإصحاحين الأولين من سفر التكوين، كيف تشرح ما بعد ذلك؟ شيء مثل أن الله يمشي في الفردوس! ألا يقول الكتاب المقدس أن آدم وحواء أخفا نفسيهما؟! هذا فقط في الإصحاح الثالث ، هذا، كما تعلمون، إصحاح واحد حيث يصر الناس على أنه يجب أن يؤخذ [الكتاب] حرفيًا. يقولون، في الإصحاح الثالث، أن الكتاب المقدس يقول أن آدم وحواء اختبأ كل منهما عندما كان الله يمشي في الجنة. هل لله أقدام؟! هل تريد أن تأخذ هذا الجزء حرفيًا؟! ماذا يعني ذلك؟!... كيف تفسرون أن الله يمشي في الجنة؟! وماذا عن التعبيرات الأخرى في الكتاب المقدس، ”فِي ظِلِّ جَنَاحَيْكَ" (مز ٣٦: ٧)، نحن لا نعتقد أن لله أجنحة!
اعتراضي الرئيسي على الأصوليين الذين يأخذون الكتاب المقدس حرفيًا، هو أن هناك العديد من المواضع لا يأخذون فيها الكتاب المقدس حرفيًا، هناك الكثير من أجزاء الكتاب المقدس التي لا يفضلونها [حيث لا يمكن تطبيق الحرفية]، لذلك يتجاهلون تلك الأجزاء؛ ولذا فهم غير متسقين مع ذواتهم... أعتقد أننا بحاجة إلى أن نكون متسقين مع ذواتنا، وهذا ما أحاول قوله هنا أيها الإخوة والأخوات الأعزاء...
العديد من الأسفار في الكتاب المقدس بدأت، أو بدأت أجزاء منها، كتقليد شفهي قبل تدوينها. في أي لحظة بدأ الوحى إذن؟ هل بدأ الوحى عندما خطرت في ذهن المؤلف [الفكرة] لأول مرة؟ هل كان كان الوحى عندما حَكَى بطرس لمرقس قصصًا عن الرب؟ لربما عندنا تمت كتابته لأول مرة؟ هل هذا هو وقت الوحى الإنجيلي؟ ثم ماذا عن وقت نسخها [النصوص]؟ ماذا لو تم تغيير كلمة ما أو فُقِدت عند نسخها [كما يوضح علم النقد النصي]؟... هل لم يعد النص بعد ذلك وحيًا؟ هناك أيضًا كتب تمت إضافة أجزاء فيها بعد أن تم الانتهاء منها من قبل المُبَشِّر أو غيره من كُتَّاب الكتاب المقدس نحن نعرف أن هذا حدث يقينًا!...
سأعطيكم مثالاً، في إنجيل يوحنا، لدينا جزأين على الأقل لم يكونا في الأصل جزءًا من هذا الإنجيل، ونعلم أن هذا حدث بالحق... وبالأكثر وضوحًا في يوحنا ٢١، تمت إضافة الإصحاح الأخير من الإنجيل من قِبَل تلاميذ يوحنا، وليس من قِبَل المُبشِّر [يوحنا] نفسه، الأمر شديد الوضوح، ألقِ نظرة عليه، سترى أن الإنجيل ينتهي بنهاية الإصحاح ٢٠، حيث هناك الخاتمة، ثم فجأة تجد أن هناك إصحاح ٢١، حيث تجد بزوغًا لبحر طبرية وغير ذلك، ويتم التوكيل إلى بطرس أمر العناية بالغنم، إلخ، كل هذا تم إضافته لاحقًا، هل هذا يعني أنها [تلك الإضافات] ليست من الكتاب المقدس لأنها في الأصل ليست جزءًا مما كتبه يوحنا؟
عند الأصوليين هناك سبب آخر للإصرار [والإقرار] بأن هذا النص كتابًا مقدسًا، أن يكون يوحنا هو من كتبه! أما بالنسبة لنا، لا يهم ما إذا كان يوحنا قد كتبه بالفعل أم لا، ما يهمنا هو أن تعترف به الكنيسة أنه [أى نص] وحى، هذا ما يجعله [لدينا] كتابًا مقدسًا. هذا هو الفرق بين النظرة الأرثوذكسية [للوحى والكتاب المقدس] ووجهة النظر الإنجيلية أو الأصولية. [فعندنا] هو كتاب مقدس، سواء كتبه يوحنا أم لم يكتبع، هذه هي الحقيقة لدينا...
أيضًا هناك جزء آخر من إنجيل يوحنا لم يكتبه الإنجيلي: قصة المرأة الزانية، بدايةً من الإصحاح الثامن ، المرأة التي قُدِّمَت إلى المسيح ويريدون أن يرجمونها، فيقول الرب ”مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!“، هذا ليس في الأصل جزءًا من إنجيل يوحنا... كيف آل الأمر بالناسخ [الذي أدخلها على النص] إلى هذه القصة؟ هذه القصة كانت قصة مشهورة، وتم تناقلها شفهياً في القرون الأولى للكنيسة، وفي وقتٍ ما، قرر أحد النُسَّاخ، أو شخص ما كان ينقل إنجيل يوحنا، إدراج القصة في الإنجيل!...
لا يحتوي الكتاب المقدس على كل ما قاله الرب وفعله، وفي أول قرن، استمر سرد القصص عن الرب لكنها لم تدخل الكتاب المقدس لسببٍ أو لآخر، بينما هذه القصة بالذات هي قصة جميلة عن الطريقة التي يتعامل بها الرب [معنا]، والحكمة التي يتعامل بها الرب مع الموقف، والطريقة التي يحاول بها القادة اليهود الإيقاع به. ومع ذلك فإن عبارته جميلة: ”مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!“. يا لروعة تلك القصة! لذا أخذ أحد النُسَّاخ على عاتقه إدخال هذه القصة في الإنجيل. فليباركه الرب على ما فعل [من أمرٍ مُطَوَّب].
هذا ما أود قوله، هل يمكنك تخيل عدم وجود تلك القصة؟ كم هي جميلة تلك القصة؟ لذا هل يجب أن نقول: ”حسنًا ، هذا الجزء غير مُوحَى به، هذا الجزء ليس جزءًا من الكتاب المقدس.“، لا! لقد قبلت الكنيسة القصة كجزء من الإنجيل، استلمناها وقبلناها لأنها تحمل خاتم الحقيقة حولها. الفعل متوافق مع ما نعرفه عن المسيح، أليس كذلك؟! أعني، هل يبدو أنه ليس المسيح؟ هل يبدو لك الحدث مزيفًا؟ لا! عندما تسمع تلك القصة، تعلم إنها صحيحة [بخبرتك الأرثوذكسية عن المسيح]. فتقول: ”نعم، هذا هو يسوع، هذا هو يسوع الذي نعرفه“. فكيف نقول إذن أنها غير مُوحَى بها. بل هى كتاب مقدس، لأن الكنيسة اعترفت بها وقبلتها على أنها كتاب مقدس. »
يُتبَع...
— اللاهوتية الأرثوذكسية د. ”جياني قسطنطينو“، عن عظة ”الوحى والعصمة“، جزء ٣/٢، مُفرَّغ صوتيًا ومترجم عن عظة بتاريخ ١٤ يونيو ٢٠٠٨، د. قسطنطينو حاصلة على دكتوراة في اللاهوت من جامعة لافال، وماجستير في اللاهوت من جامعة هارفارد اللاهوتية، وماجستير في اللاهوت والآبائيات من جامعة الصليب المقدس للروم الأرثوذكس، وماجستير في اللاهوت التطبيقي من جامعة سان دييغو، وتشغل منصب الزمالة والدكتوراة في العديد من أقسام الدراسات اللاهوتية حيث تقوم بتدريس الدراسات الكتابية والمسيحية الأولى.