[تفريغ وترجمة عظة ”الانتحار“ جزء ٤/١، للاهوتي الأرثوذكسي الأب توماس هوبكو، بتاريخ ٢٤ مارس ٢٠١٠، يمكن عنونة الجزء بـ ”المعاناة في الكون الساقط سر ايكونومي“]
« يُعارِض المسيحيون تمامًا الانتحار! نحن المسيحيين نؤمن أنه مهما كانت حياتنا سيئة، مهما كان اكتئابنا، مهما كان مدى الألم، مهما كان حجم المعاناة، لا يحق لنا في أن نزهق حياتنا بوعي أو عن قصد، أو نطلب من شخص آخر أن يأخذ حياتنا من أجلنا بأن نطلب الحصول على مساعدة في التسبب ببساطة في موت أنفسنا [مثل إجراءات ”الموت الرحيم“].
لطالما كانت التعاليم المسيحية هي أن ولوج الموت والمعاناة في هذا العالم له هدف فوق-طبيعي وله مغزَى [معنى]... إن الحقيقة المطلقة للتقليد المسيحي هى أن الألم والضيق لا يستلزم تفسيرًا أو تبريرًا! فلا مبرر له أو شرح في مختلف دروب هذا العالم، إنه مجرد شيء غريب [لا يمكن عقلنته]... ليس لدينا تفسير أو منطق فوق-طبيعي للمعاناة/الألم، لكن لدينا بالتأكيد استخدام فوق-طبيعي للمعاناة/الألم، إذ أننا نؤمن أن المعاناة في هذا العالم عنصر ضروري للدخول إلى ملكوت الله...
ولكننا لا نعبد المعاناة أو نعتبرها أمر مثالي أو نؤلهها، بل يؤمن المسيحيون حقًا بأن المعاناة هي جزء من هذه الحياة، بل هى جزء أساسي من هذه الحياة. وكيف لا يمكنك أن تتمسك بهذا المنظور حقًا إذا كان المركز الرئيسي لكل قناعتك [المسيحية] هو أن المسيح المصلوب هو مركز كل شيء، [ففي المسيحية] معاناة وألم وموت المسيح هو الطريق الذي به نقترب من الواقع، فهو الطريقة التي نفهم بها جوهر معنى الحياة في هذا العالم الفاسد، لذا سيتعين علينا أن نعاني، بل وأن نموت أيضًا، وسيتعين علينا أن نمر بالمِحَن والألم، ولكننا نؤمن أن تلك المِحَن وذاك الألم الذي نمر به، وهو ”سر“...
هناك سر عظيم في الحياة الإنسانية، في كيفية التفاعل بين حرية الإنسان والعناية الإلهية، وكيف يستخدم الله كل أنشطتنا وسلوكياتنا البشرية تدبيريًا [إيكونوميًا]، بما في ذلك عجزنا على التحكم في الكون: مثل الحرائق والزلازل وأمواج تسونامي وأشياء من هذا القبيل، وكذلك الشرور التي يفعلها الناس لبعضهم البعض، مثلما عندما يقوم الناس بتعذيب بعضهم البعض، فيقتل بعضهم البعض في الحروب ويقصفون بعضهم البعض بالقنابل ويدمرون بعضهم البعض.
يجب على المسيحيين أن يواجهوا ذلك بشكل مباشر، ويقولون [معلنين إيمانهم] أن هذا جزء من خطة العناية الإلهية [حتى وإن جهلوا الكيفية]. ومن ثم بالتأكيد، سيكون من التعاليم المسيحية أن: الإيمان بالله، والثقة بالله، ومحبة الله من كل الذهن والنفس والقلب والقوة، ومحبة القريب كالنفس، بما في ذلك الأعداء، في خضم المعاناة الرهيبة، هو الشهادة المسيحية الرئيسية [العملية] للإيمان المسيحي...
كل مسيحي مدعو بالإيمان والنعمة أن يتألم مع يسوع! وكل مسيحي مدعو بالإيمان والنعمة أن يحمل صليبه ويتبعه! كل مسيحي لا يدخل الملكوت إلا كما فعل المسيح من خلال الضيق والصبر، فيتحمل ويخدم من خلال كل الآلام في هذا العالم.
نحن المسيحيون نقول أن المعاناة لا يجب أن توجد [تستمر]، لذا فبالطبع نحاول تقليل المعاناة والقضاء عليها قدر الإمكان؛ وبخاصة معاناة الآخرين، فعندما يشعر الآخرون بالألم نحاول التخفيف من آلامهم، ونحاول مساعدتهم، ولا نحاول إيذائهم. نحن بالتأكيد لا نلحق الألم بأي شخص. ولكن عندما يأتي إلينا الألم والمعاناة، بأي وسيلة كانت -كمسيحيين- نحن مدعوون أن نخوض تلك المعاناة، بثقة تامة في الله، ومغفرة مطلقة للناس من حولنا [مهما سببوا لنا وفينا]، بامتنان وفرح بالحياة.
ونحن نؤمن حقًا أن أعظم شاهد يمكن أن نقدمه لله القدير ولابنه يسوع المسيح هو بالصبر بإصرار. من خلال [ولوج] المعاناة بسلام، بلا تذمر، بسلام [داخلي]... وعبارة ”غير مؤلم“ لا تعني بالضرورة أن الأمر غير مؤلم فيزيقيًا، ولكن بدون تحويل الألم لعذابٍ لحياتنا العاطفية/النفسية يؤدي إلى رفضنا لله...
فمن المؤكد أن المسيحيين يفهمون المعاناة على أنها جزء من الصفقة بأكملها [الحياة الأرضية]، بل جزء مركزي فيها، لذا نرى أن الخطيئة البشرية أنتجت معاناة أفقدتنا السيطرة على الكون أو أفقدتنا السيطرة على أجسادنا التي صارت ضحية ناتجة عن آثام العالم... ففسدت بعلاقتنا بأمراض الآخرين [التي هى على منوال مرض فسادنا] ...
ومع ذلك، فإن التعاليم المسيحية تنص أيضًا أن هناك أشخاصًا لا يستطيعون فعل ذلك [خوض المعاناة بسلام وثقة]، وأن هناك أشخاصًا ضعفاء للغاية وإيمانهم غير قوي [بشكل كافٍ يساعدهم على المثابرة]، فهم ليسوا أقوياء بما يكفي لتحمل أي معاناة استوجب عليهم خوضها، فهناك معاناة نفسية، ومعاناة عاطفية، ومعاناة من القلق، واليأس، والاكتئاب، وكراهية الذات، و -كما تعلمون- عدم القدرة على تحمل الحياة نفسها، بل وأحيانًا يتم وضع هذه المعاناة على هؤلاء الأشخاص [المنتحرين] من قِبل الآخرين أيضًا... وأيضًا علينا أن ندرك أن هناك بعض الأشخاص الذين يعانون من مرض شديد، وآخرين سحقهم العالم للغاية، وقتئذ [إذ أدركنا ما يخوضونه] سنتفهم بحسب منطقنا الأرضي لماذا يقتلون أنفسهم...»
يُتبَع...