ق. توما الأكويني بيصنف كل الكيانات اللي ليها وجود أو بمصطلح أدق كل ”ما هو كائن“، بإنه في حالة من اتنين، إما في حالة actuality (تفعيل)، أو في حالة potentiality (إمكانية)، والربط بينهم هو الـ motion (الحركة، والمقصود بيها تَغيُّر)، علشان تفهم تسلسل الفكرة، تعالى الأول نشرح المصطلحين دول، ونشرح مفهومه للـ "حركة"
١. الـ potentiality (الإمكانية)، هى قدرة/إمكانية أى شىء على التغيّر من حالة للتانية، يعني قدرته/امكانيته على إنه يكون حاجة بصفات معينة، وينتقل لحاجة بصفات مختلفة، مثلًا قدرة المياه على التحول من صورة سائلة في درجة حرارة الغرفة لصورة صلبة في درجات حرارة تحت الصفر بالتحول لثلج لو وقع عليها مُغيِّر حراري، أو قدرة الجسد على التحول من صورة لحمية من خلايا حيّة لصورة كربونية متحللة (بالبلدي تراب، مع إنه توصيف مش دقيق) نتيجة لوجود عامل بيوكيميكال مؤثر على الجسد، أو ببساطة أى إمكانية/احتمالية للتغيُّر من صورة لتانية، أى كيان عنده احتمالية التغيُّر ديه هو كيان يملك potentiality
٢. الـ actuality (التفعيل) هو الصيرورة في حالة ما بعد تحويل الـ potentiality من إمكانية كامنة غير مُفعلة، لكينونة واقعية، يعني لما مثلًا في مثالنا اتجمد الثلج هنا حصل تفعيل للإمكانية (الـ potentiality للتحول للصلب اتحولت لـ actuality وانتقل الكيان للحالة الصلبة)، لو اتبخر نتيجة لمؤثر خارجي حصل actuality، لو الجسد اتحلل فهو في حالة actuality لإمكانية التحلل اللي كانت مخزنة فيه كـ potentiality، أى عملية للصيرورة والكينونة، ببساطة الـ actuality هو وجود وصيرورة بصفات معينة لحالة معينة
٣. الـ motion (الحركة)، هى عملية التغيُّر من حالة للتانية، عملية تحويل الـpotentiality الكامنة لـ actuality مُفعلّة، عملية انتقال من حالة لتانية ومن صفات كيانية لتانية، من غير motion كل potentiality هيفضل كامن ومش هيتحول لـ actuality.
ق. توما لاحظ إن بالمنهج التجريبي (استخدام الحواس في الاستنتاج أو الاستنباط):
أ. إن كل الكيانات اللي ليها وجود في حالة motion، كل شىء على خط الزمن بيتنقل من حالة للتانية، بدون استثناء، كل شىء بيتغير من صفات لأخرى ومن حالة لأخرى.
ب. كمان لاحظ إن مفيش أى كيان يقدر يكون في ”تصنيف نفس الحالة“ في حالة actuality لتفعيل الحالة و potentiality بتدل على عدم تفعيل الحالة في نفس الوقت، يعني مفيش مياه في نفس الوقت في حالة بخار وحالة سائل، وبحسب مثاله مفيش فرع شجرة في حالة احتراق وفي حالة عدم احتراق في نفس الوقت، أما يكون فرع الشجرة درجة حرارته منخفضة غير محترق، أو درجة حرارته مرتفعة وبيحترق، مينفعش يكون في حالتين متناقضين سوا وإلا يجمع متضادين وده منافي للمنطق وينتج عنه تناقض ذاتي داخلي يمنع وجود الكيان منطقيًا، لو بارد هيكون عنده potentiality للاحتراق لكن الـ actuality بتاعته هى عدم الاحتراق، ولو بيحترق هيكون الـ potentiality بتاعته التحلل والـ actuality بتاعته هى الاحتراق
ج. ولاحظ كمان ق. توما إن مينفعش أى كيان له وجود يحول الـ potentiality بتاعته لـ actuality من غير عامل مؤثر خارجي عليه ينقله من حالة لحالة (mover)، وإلا قوانين الفيزيا تبقى غلط ونلاقي الأشجار تتحرق من نفسها بدون تدخل العنصر الحراري الخارجي، أو نلاقي الجماد بيغيَّر من موضعه من ذاته من غير أى قوة خارجية تدفعه وتنقله، يعني تحط صخرة في مكان ما، تلاقيها اتنقلت لوحدها من غير أى قوة مؤثرة واقعة عليها تحركها، فده يضرب كل المنطق وقوانين الطبيعة. ومن هنا استنتج إن مينفعش لنفس ”تصنيف الحالة“ (الحرارة، الموضع، التوصيف ..إلخ) يكون نفس الكيان في potentiality و actuality ولا ينفع يكون فيه علة تحركه (مُحرك نفسه من غير تأثير واقع عليه من آخر عشان ينتقل بين حالتين)
ومن الملاحظات والمعطيات ديه وصل لعدة استنتاجات:
١. من هنا استنتج ق. توما، إن كل حركة (تغيُّر) محتاجة لمُحرِّك (مُغيِّر)، والمغيِّر ده مينفعش يكون نفس الكيان، لازم يكون كيان آخر، ولازم الكيان اللي هيتغيَّر يكون عنده potentiality للتغيُّر، والكيان اللي بيغيَّر يكون عنده actuality تأثر على الآخر وتحوِّل الـ potentiality بتاعته لـ actuality. وهنا ابتدا ق. توما ياخد التسلسل بمنطق تتبعي (recursion أو regression) حالة تتبع تكراري للتسلسل، مين اللي سبب تغيٌر الكيان أ وحول الـ potentiality بتاعته لـ actuality؟ كيان ب عنده actuality. طيب مين اللي سبب إن تغيٌر الكيان ب نفسه حصل له تغيُّر واتحولت الـ potentiality بتاعته لـ actuality؟ كيان ج. طب ولـ ج ، فيه كيان د، ول د فيه كان هـ ... إلخ
٢. وإن التسلسل ده منطقيًا لازم يكون finite (في حالة نهائية، مش في حالة لا نهائية) وإلا تخيل معايا سلسلة لا نهائية، لو اتوجدت سلسلة لا نهائية مش هتتوجد حركة لان مش هيتوجد اول تأثير على أول تحول للـ potentiality في أول motion لأول كيان كامن، كمثال اتخيل قطع دومينو مرصوصة بحيث إن اسقاط أول قطعة، تخبط في التانية فتسقط التانية، تخبط التالتة فتسقط التالتة إلخ... لو عندنا مسافة ٥ سنتيمتر، وهنحط قطعة كل سنتيمتر، هنحتاج ٥ قطع ونسقط اول واحدة، لو المسافة أكبر ١٠ سنتيمتر، هنحتاج ١٠ قطع، كبر المسافة هنحتاج قطع أكبر تسقط قبل آخر قطعة، طيب افرض ان المسافة لا نهاية هنحتاج قطع عددها أكبر من أكبر عدد موجب نعرفه (تعريف الما لا نهاية) حاول تتخيل أكبر رقم، لا مش هو ده، الما لا نهاية هو الرقم اللي وراه، لا مش هو ده اللي اكبر منه... الخ، لو تتبعنا التسلسل ده مش هنوصل للحظة نقدر فيها نسقط أول قطعة من مؤثر أولي على أول متأثر (لاننا مش هنوصل لأول متأثر) فمش هنوصل لاسقاط آخر قطعة كمتأثر نهائي، بس احنا بنشوف حوالينا التأثير على ما وصلنا من متأثرات، يبقى بالضرورة فيه مؤثر أولي في سلسلة finite
٣. لو تتبعنا التسلسل النهائي ده، لازم نوصل كمان لكيان معين يكون معندهوش أى potentiality حد يقدر يغيرهاله لـ actuality، لإنها لو عنده يبقى فيه كيان قبله حولهاله، والتسلسل زى ما شرحنا مينفعش يوصل للمالانهاية وإلا مكنش هيكون فيه متغيرات دلوقتي، فلازم هنوصل منطقيًا لكيان معين يكون معندهوش أى potentiality حد يقدر يغيرهاله لـ actuality، وفي نفس الوقت يكون هو الـ actuality اللي أثر على بقية الكيانات اللي عندها potentiality، يعني محتاجين كيان يكون نقي في الـ actuality الخالية من أى potentiality، وإلا مكنش هيحصل تسلسل في الـ motion، ومكناش هنلاقي أى حاجة بتتغيّر دلوقتي في واقعنا، بس إحنا بنشوف بالمنهج التجريبي الكل بيتغير، بسبب ده، وبسبب كل ما سبق، يبقى بالضرورة في تسلسل تغيُّري ويبقى بالضرورة فيه مُحرِّك أول (مُغيِّر أول) pure actuality خالي من الـ potentiality، وهو اللي بحسب توصيف ق. توما، بيسميه المسيحيين الإله.
انتهت الطريقة الأولى! تابع بقية الطرق في بقية السلسلة لو مهتم، وshare الجزء ده من السلسلة عشان نحاول نصلَّح حالة التدهور والسطحية النقاشية المنتشرة حاليًا في أوساط كتير. وطلب أخير، أتمنى كمان اللي يقرا السلسلة ميستخدمهاش لخناقات دينية/لا دينية، ويروح يجاهد بيها اللي مش مؤمن بوجود إلهي، استمتع بالمعرفة بمنهج غير-صراعي!