الطريقة الأكوينية التالتة: الوجود المحتمل والوجود الواجب


كالعادة هبتدي أوضح لكم شرح بعض التفاصيل الفلسفية قبل ما أشرح كلام ق. توما عن شرحه لمنطقية الوجود الإلهي

أ. الوجود الاحتمالي: حالة أى كيان ممكن يتوجد أو ممكن ميتوجدش، يعني أى كيان وجوده بيتعمد على مجموعة من الشروط اللي لو اتوفرت يتوجد، متوفرتش ميكنش موجود. بمعنى إن لو الشروط اللي بتسبب وجوده اختفت بالضرورة هو كمان يختفي

ب. الوجود الوجوبي (الالزامي): حالة أى كيان دائم الوجود ومفيش احتمالية لعدم وجوده فهو كيان واجب الوجود، ومبيحكمش وجوده تحقيق مجموعة من الاشتراطات، الواجب الوجود هو دائم الوجود بالضرورة، وبيتقسم لنوعين:

ب١. واجب الوجود لذاته: ده اللي من ذاته علطول موجود ومفيش احتمالية ميتوجدش، هو من ذاته موجود وهيفضل موجود

ب٢. واجب الوجود لغيره: ده اللي علطول موجود، بس وجوده اشتراطي على كيان تاني، ممكن الكيان التاني ده يكون واجب الوجود لذاته، أو يكون الكيان التاني بدوره واجب الوجود لغيره

تصنيف صعب، تعالى نشرحه بمثال ... كمثال علشان تفهم أنواع واجب الوجود، تعالي نفترض إن فيه كيان مثلًا زيوس واحد من آلهة جبل الأولمب ونتخيّله علطول موجود، مبياخدش وجوده من ظروف أو اشتراطات، هو من نفسه له وجود ومش معتمد على أى حاجة، هنا زيوس يبقى ”واجب الوجود لذاته“، تعالى نتخيّل إن زيوس أوجد الشمس من الأزل وخلاها تاخد وجودها وتستمر وقرر إن طول ما هو موجود هتكون موجودة، هنا الشمس هتكون ”واجبة الوجود لغيرها“،  لإن وجودها مشترط على وجود زيوس (اللي هو واجب الوجود لذاته)، أشعة الشمس هنا هتكون هى كمان واجبة الوجود لغيرها (لانها اشتراطية على الشمس، والشمس هى كمان واجبة الوجود لغيرها). تعالى نكمل على مثالنا عشان تفهم محتمل الوجود، أنت واقف وباصص للشمس، أنت محتمل الوجود، كان ممكن تيجي وكان ممكن متجيش، ووجودك معتمد على أبوك وأمك، وهم كمان وجودهم اشتراطي/محتمل كان ممكن يجوا أو ميجوش لإنهم معتمدين على أبوهم وأمهم، انت هنا اعتمادك على كيان تاني بدوره احتمالي، فهتظل احتمالي لاشتراطية وجودك 

تعالى ناخد تسلسل ق. توما الأكويني المنطقي:

١. ق. توما لاحظ إن في الكون فيه كائنات مشروطة الوجود، زىّ حضرتك كده، وتساءل: هل ممكن كل الكائنات اللي في الكون دلوقتي تكون كلها بدون استثناء مشروطة/محتملة الوجود؟ كلها بدون استثناء؟ بمنطق بسيط لأ مينفعش لإن لو كل محتمل الوجود معتمد على محتمل وجود تاني والتاني معتمد على محتمل وجود تالت ... إلى ما لا نهاية، مكنش هيبقى فيه وجود خالص، لإن مش هيكون فيه شىء يقدر يجيب أول كيان محتمل الوجود ويحول احتمالية وجوده لنسبة ١٠٠% ويخليه موجود، يبقى بالضرورة فيه على الأقل كيان واحد واجب الوجود.

٢. وهنا سأل السؤال التاني: هل الكيان الواحد ده اللي بسببه اتوجدت الكيانات المحتملة الوجود، كيان واجب لذاته ولا كيان واجب لغيره، هو قال مبدئيًا ينفع يكون الاحتمالين، ممكن يكون واجب لذاته أو لغيره، وممكن يكون مجموعة كيانات واجبة الوجود لذاتها هى ومجموعة كيانات واجبة الوجود لغيرها هى اللي أوجدت الكيانات الاحتمالية.

٣. بعدها خد خطوة كمان وقال إن الكيانات واجبة الوجود لغيرها، وجودها اشتراطي ومعتمد على كيان أو كيانات واجبة الوجود لذاتها ومنها أخدت وجودها، يبقى بالضرورة إن فيه كيان واحد على الأقل واجب لذاته منه خدت كل الكيانات سواء الاحتمالية أو الواجبة لغيرها وجودها.

٤. وبعدها اتنقل لمرحلة هل هو كيان واحد واجب الوجود لذاته اللي يضمن وجود كل محتملي الوجود وكل واجبي الوجود لغيرهم ولا عدة كيانات واجبة الوجود لذواتها؟ ففكر وقال لو كانت كيانات متعددة فهى هتكون حالة من اتنين:

١.٤. واجبة الوجود متطابقة في الكل، يعني كل صفاتها وخواصها وكل شىء فيها مفيش أقل اختلاف بينهم، في الحالة ديه مش هتكون متعددة لإنك مش هتقدر تميز اى فروق بينها، ومفيش بينها حتى فواصل تقول ده هو ده وديه هى ديه، الكل مختلطين ومتطابقين وغير متمايزين (ولا حتى فروق حدودية)، فهيكونوا واقعيًا كيان واحد، تخيل مثلًا جبت كباية ميا وكباية ميا تانية، الميا نفس الصفات نفس درجة النقاء ونفس المواصفات القياسية بالظبط، وخلطتهم سوا، هل تقدر تميز الميا الأولانية عن التانية؟! لا هم الاتنين هيكونوا واحد 

٢.٤. فيه بينها اختلافات، ولكن عشان يكون فيه بينها اختلافات، لازم تكون فيه صفة مضافة لكيان منهم عن الآخر مش موجودة في الآخر، وعشان يكون فيه شىء مضاف أو ناقص، معنى كده إن فيه تركيب في كيان مننم، ولو متوجدش التركيب ميتوجدش الكيان المتميز، يعني الكيان ده هيتحول لكيان اشتراطي بدوره، باشتراط لامتلاك صفات معينة، لو فقدها يتغير، يعني فيه potentiality محتاجة تفعيل (actuality) ، ارجع للطريقة الأولى، وأى كيان فيه potentiality ومش pure actuality بياخد الـ actualization من غيره لإنه مينفعش يفعَّل نفسه (أرجع للطريقة الأولى). ومنها خد التسلسل بالعكس: يبقى مينفعش يكون هناك واجب الوجود لذاته ومركب، يبقى مينفعش مركب، يبقى مينفعش يتميز بصفات، يبقى مينفعش يكون فيه تعددية لواجبي الوجود لذواتهم مختلفين، ولا حتى متطابقين (ارجع لـ ١.٤. ) يبقى بالضرورة هو واحد!

٥. هنا وصل ق. توما لوجود كيان واحد، واجب الوجود، دائم الوجود، وجوده مش اشتراطي على حد، ووجود الكل اشتراطي عليه، ومينفعش يكون متعدد، ومن غيره مش ممكن تتوجد بقية الكيانات محتملة الوجود أو واجبة الوجود بسببه، وفي طرقه السابقة أثبت إنه محرك/مغيِّر للكل، وأثبت وجود الكل قايم عليه كيانيًا، وهو ده بحسب ق. توما الاكويني اللي بيسميه المسيحيين الإله.

تابعوا بقية الطرق في الأجزاء اللي جاية، واعملوا share عشان نخلق أرضية حوار راقية ومساحة فكر ناضجة، برة التفاهات النقاشية والخلافات الصبيانية المنتشرة حاليًا تحت مُسمَى ”لاهوت“!

أحدث أقدم