الطريقة الأكوينية الثانية: السببية الفعّالة


عشان نفهم طريقة ق. توما الاكويني الثانية في شرح الوجود الإلهي، أو اثباته منطقيًا، محتاجين نتعرف الأول على حبة مصطلحات

أ. الـ effect، هترجمها التأثير، التأثير هو أى تغيُّر في الحال، الحال ده ممكن يكون وجود فيبقى ده تأثير بسبب تغيُّر في الوجود/الكينونة مثلًا من عدم لحالة الوجود، ممكن يكون في حالة صفة من الصفات، زىّ التأثير الفيزيقي المادي، أو تأثير معنوي/فكري/نفسي يغيّر حالة من وعى لوعى تاني مثلًا انتقال من فرح لحزن، أو تأثير استمراري يضمن للكيان اابقاء في الحالة اللي هو عليها سواء كانت حركة أو هى ذاتها بقاء/وجود ... أى تغيُّر أو تقلُّب من حالة لتانية هو effect، والـ effect ممكن يكون تغيُّر من أى نوع، وبالأخص التغيُّر الوجودي زىّ ما هشرح

ب. الـ causality، هترجمها السببية، الـ causality هى علاقة بين اللي بيسبب الـ effect والـ effect نفسه واللي واقع عليه التأثير، الديناميكية الانتقالية للـeffect من المؤثر للمتأثر هى causality، والـ Causality  بيكون في حالة تسلسلية، بمعنى إن الـ effect بيتنقل من المُؤثِّر للمُتأثِّر، والـ effect اللي بيقع على المُتأثِّر بيحوله لمُؤثِّر جديد يكون المؤثر اللي ينتج عنه effect (بنفس الصورة أو بصورة مختلفة) لمُتأثر جديد، يعني كمثال لو أنت فيه عندك نجفة متعلقة في السقف، فسبب إنها مبتقعش إنها مربوطة بحلقة، وسبب ان الحلقة مبتقعش إنها مربوطة بحلقة تانية ... إلخ لغاية لما توصل لسقف ثابت، سلسلة الـ effects بين كل مؤثر ومتأثر فيه بينها causality

ج. الـ efficient، هو حالة الفاعلية في تسبيب الـ effect. المؤثر اللي بيغيَّر أى حاجة في متأثر بيكون في تغييره للحالة efficient لو اشتراط استمرارية التغيُّر قايمة على اشتراط وجود دائم للمؤثر كعامل مؤثر بحيث يضمن أن المتأثر في حالة من التأثر (بحيث لو اتشال المؤثر ميستمرش التأثر)، فده حالة efficient causality، بمعنى انه فعّال في أثناء تسبيب الـ effect. يعني تخيل معايا فيه تلات علب مرصوصين ورا بعض، وانت زقيت أول واحدة بايدك، فالاولى زقت التانية، قامت التانية زقت التالتة وكلهم اتحركوا، كل علبة من دول efficient cause، وأى توقف لحركة أى واحدة هتوقف الكل، وعشان اى واحدة تتحرك لازم اللي قبلها تتحرك، مينفعش واحدة تكون مش فعّالة (مش efficient) وتتم عملية التحرك

يعني هديك مثال بالبلدي يشرح التلات مصطلحات، لو أنت واقف في أمان الله، قمت أنا جاى من وراك زقيتك ووقعتك، الـ effect اللي طالع مني هو قوة دفع عليك، الـ effect اللي واقع عليك هو القوة اللي اتزقيت بيها مني فهتسببلك effect تاني من فقدان توازنك فهتقع، يعني الـ effect اتنقل من صورة قوة دفع، لصورة فقدان توازن ده التسلسل في الـeffect. اللي زقك يبقى efficient طالما هو مستمر في عملية الزق، يعني وقت ما اتوقف عن الزق أبقى مبقتش efficient خلاص، في حالة زقك عشان تقع انا مش لازم افضل efficient علطول عشان اضمن تغير حالك من ثبات لفقدان اتزان، لا هزقك واتوقف عن الزق واسيب تتابع تسلسل الـ effect يوقعك مع نفسه وقت ما انا واقف مستنيك تقع علشان أضحك عليك، بس تخيل مثلا لو كنت بدل ما زقيتك جبت سلك كهربا وكهربتك هنا سلك الكهربا لازم يفضل التيار ساري فيه طول ما بكهربك، لازم يفضل السلك efficient فيه تيار ولازم انا افضل efficient ماسكه ومشاور بيه عليك، وقت ما السلك ميكونش efficient (مفهوش كهربا) وانا مش efficient (مش ماسكه ولا مشاور بيه عليك)، الكهربا متمشيش فيه ولا هتوصل لك فأنت مش هتتكهرب مش هيحصل تسلسل للـ effect. الـ causality هى العلاقة بيني وبينك وبين الزقة اللي زقتهالك أو الكهربا اللي نقلتهالك بالسلك بمنتهى البساطة، العلاقة اللي جمعانا سوا

ق. توما لاحظ إن:

١.  في الكون  فيه متأثرات، والمتأثرات بتوجد وتتغير بناء على وجود مؤثرات بتسبب effect عليها، وكمان فيه سلسلة من التأثير إما خَطِّيَة (linear) من كيان للتاني للتالت...الخ، أو شجرية/هرمية (hierarchical) كيان يؤثر على اتنين والاتنين كل واحد على اتنين يعني يأثروا على أربعة وكل واحد من الاربعة يأثر ...الخ، أو (graphical) كيان ١ يأثر على كيان ٢ و ٣، ٢ يأثر هو كمان على ٣ و ٤، يقوم ١ يأثر على ٣ كمان، فـ٣ يأثر على ٥ و٦ ... إلخ. التأثير ده زىّ ما شرحت فوق ممكن يكون تأثير للوجود، أو لاستمرارية الحالة الموصوفة (بقاءها على حالتها المتغيِّرة)، أو لاستمرارية الوجود نفسه

٢. وبناءًا على ده طرح ق. توما فكرته، بإن عشان يُضْمَن استمرارية الوجود مثلًا، بالبلدي ”عشان الكيانات تفضل موجودة“، لازم تقوم على كيانات تانية موجودة تكون مسببة لوجودها، تقوم عليها وتتبني عليها، هستخدم مثال حديث الميا مثلًا عشان تتوجد فهى محتاجة عناصر تتكون منها، يعني وجودها مشترط بوجود اتنين H هيدروجين و O أوكسجين لو متوجدوش ميتوجدش ميا، والـ O عشان يتوجد محتاج بروتون والكترون، لو متوجدوش ميتوجدش، وعشان الالكترون يتوجد ... إلخ لغاية لما توصل لـ quarks أو strings أو أى شىء وتسأل: هو وجود الشىء ده بدوره معتمد على وجود إيه ومن غيره ميتوجدش؟

٣. ومن هنا لجأ تاني لفكرة الـ regression أو الـ recursion اللي شرحتها في الـ post السابق، وقال إن لو فيه تتابع تسلسلي (regression) لا نهائي يبقى بالضرورة نوصل للمؤثر الاول سواء للوجود، أو لاستمرارية الوجود، أو لتغيُّر الصفات أو حتى لاستمرارية بقاءها في تغيُّرها، لإننا دايما هنكون بندور على اللي الشىء ”قايم عليه“ (بعض الفلاسفة المسيحيين حاليًا زىّ الرهبان اليسوعيين بيسموه ”الصميم“)، ودايما هيفضل السؤال هو ايه المؤثر اللي بيعتمد عليه لضمان وجوده، فلازم نوصل لكيان دائم الوجود، دائم التأثير، دائم الفاعلية، هو اللي يضمن إن كل شىء يقوم عليه وياخد منه تأثيره بالوجود والاستمرارية وقابلية التغيُّر أو قابلية الاستمرارية في الحالة المتغيِّرة، وإلا مكنش هيكون فيه موجودات وكينونات مستمرة وبتتغيَّر وبتتأثر حاليًا

٤. ومن التلات نقط السابقة قال لإننا بنشوف بالمنهج التجريبي كيانات موجودة ومتغيِّرة ومتأثرة، فبالضرورة يكون فيه كيان دائم، وجود بقية الكيانات وكينونتها قايمة عليه، ومن غير الكل ينعدم، والكيان ده -بحسب وصف ق. توما الاكويني- هو اللي بيسميه المسيحيين الإله.

وهنا حابب أوضح نقط مهمة للي بيقرا:

١. فيه سوء فهم منتشر إن السببية هنا معناها "مين اللي جابك للوجود؟" (خلقك باللفظ الديني)، ده مش معنى ولا شرح ق. توما الاكويني للـ causality، ق. توما مبيناقشش إطلاقًا مين جاب مين للوجود ويمشي في تسلسل زمني تراجعي لغاية نقطة بداية وجود زمنية، بالعكس ق. توما كان صريح في كتاباته وقال إنه مفيش أى وسيلة منطقية لإثبات وجود ”بداية للكون“، وطرح إن احتمالية الوجود الأزلي قائمة وقابلة للمنطقة، لكنه هو هنا مبيناقشش مين جاب مين للوجود زىّ ما كتير بالخطأ بيشرحوا ويعارضوا كلامه أو حتى يؤيدوه، لكنه بيناقش التأثير قايم على إيه، لو التأثير ده هو تأثير وجودي (الـ effect مسبب للوجود) فهو بيناقش الوجود قايم على إيه، فيه فرق كبير بين الوجود قايم على إيه، ومين جاب التاني للوجود، وده هشرحه في النقطة التالية لو لسه مش واضح الفرق عندك

٢. تخيّل معايا س ولد ص ولد ع، كل واحد من دول جاب التاني للوجود، من غير س مش هيكون فيه ص، ومن غير ص مكنش ع هيكون جه للوجود، بس مش ده اللي بيشرحه ق. توما، ده اسمه الـ accidental causality (الحدثي/العرضي)، ليه مش هو اللي بيشرحه ق. توما؟ لإن لو س خلف ص واتوفى، فوجود ص مستمر حتى لو س اختفى من الوجود، ولو ص خلف ع واتوفى ص، فوجود ع لا هو معتمد على وجود س ولا هو معتمد على وجود ص، وجوده مستقل independent من وجود أى واحد من متسلسلات مسبباته، وده مش نوع ال causality اللي بيركز عليها ق. توما

٣. ق. توما بيشرح hierarchical causality ، بمعنى إنها causality وجود كل المؤثرات السابقة على المتأثر النهائي اللي بنشوفه بعنينا ضروري ولازم عشان التأثير النهائي يكون موجود، ولو اتشال أى مؤثر من حلقة الـ causality سلسلة انتقال الـ effect تنتهي لحظيا، وميتوجدش التأثير النهائي. تعالوا ناخد مثل، اتخيل معايا مجموعة تروس محطوطة جنب بعض بحيث إن حركة أى واحدة تسبب حركة التانية فتسبب حركة كام ترس تاني، إلخ، علشان تضمن إن آخر ترس يتحرك، لازم تكون كل التروس الوسطى هى كمان efficient، وعلشان تكون كل التروس الوسطى efficient لازم يكون أول ترس efficient،. لو شلت أى ترس من التروس أو واحد منهم اتكسر كله هيقف، وعلشان تضمن حركة كل التروس بصورة دائمة لازم دايما وباستمرار وبدون توقف يكون فيه ترس أولي حركته من ذاته ومبيقفش ومستمر وبيضمن استمرارية الكل، مش زىّ س اللي لو مات ميفرقش لازم يكون فيه صميم دائم الوجود ودائم التأثير، ومنه ياخد الكل وجوده وتأثره، وهو ده الإله في شرح ق. توما، لو المثال صعب اتخيل مجموعة أحجار صناديق فوق بعض، عشان أعلى صندوق يفضل في موضعه (احداثياته) لازم كل الصناديق اللي تحته تشيله، لو أى واحد من اللي تحتيه اتحرك برج الصناديق كله ينهار، ده مختلف عن ولادة س لـ ص لـ ع، اللي مش لازم يستمر وجود س أو ص عشان يستمر وجود ع

٤. لو حللت شرح ق. توما وجوديًا هتلاقي إنه مش بيتحرك على خط زمني للماضي من الخارج، ولكنه بيتحرك على خط وجودي للداخل (للصميم)، للكينونة المسببة لكل وجود لكل شىء بنشوفه قائم، للي بيقوم عليه الوجود ذاته. و بعكس طريقته الأولى اللي كان فيها مسبب الانتقال من الـ potentiality للـ actuality كيان خارجي لإن كل الكائنات المتغيرة اللي بنشوفها متقدرش تغير ذاتها، فهنا في الطريقة التانية المؤثر الضامن للوجود داخلي مش خارجي، كيان دائم الـ efficiency وبدونه الـ effect اللي بنشوفه مش هيكون له وجود، وهنا ق. توما الاكويني مش بس بيحط الكيان الإلهي في صورة المؤثر الخارجي دائم الوجود لضمان تغيُّر الكل زىّ الطريقة الأولى ولكن في صورة المؤثر الداخلي مُشتَرَط الوجود لضمان وجود الكل واستمراريتهم، لإن تصوره للألوهة إنها الكل في الكل سواء من خارج أو من داخل بتحتضن الكل وجوديًا وبكده بتضمن وجودهم واستمراريتهم.

أحدث أقدم