آلية ‏الخلق ‏الإلهي ‏- ‏خليل ‏جبران


« بَثَق الله روحًا من ذاته، وأبدعها جمالًا. وأغرقها نِعَمَ الدماثةِ واللطفِ، ثم أعطاها كأس السعادة وقال: ”لا تشربي من هذه الكأس إلا إذا نسيتي الماضي والمستقبل، فما السعادة إلا اللحظة [الحاضرة]“ و أعطاها أيضًا كأس الأسَى وقال: ”اشربي من هذه الكأس وستعرفين معنى اللحظات العابرة لبهجة الحياة“

ثم مَنَّ الله عليها بحبٍ يفارقها عند أول تنهدات الاكتفاء الأرضي، وحلاوة تهجرها عند أول إدراك للتَمَلُّق. وأعطاها حكمة من السماء، ووضع في عمق قلبها عينًا تَرَى ما لا يُرَى، وخَلَق فيها عاطفةً وصلاحًا تجاه كل الأشياء، وكساها بحُلَل الأمل المنسوجة بواسطة ملائكة السماء على أوتار قوس قزح، ثم دَسَّها في ظلال الارتباك: فَجْر الحياة والنور.

ثم أخذ الله نارًا آكلة من فُرن الغضب، لَهَبًا حارقًا من صَحَارى الجهل، ورمالًا حادة من ضفاف شواطئ الأنانية، وأرضًا خشنة من تحت أقدام الدهور، وخلطهم كلهم فأبدع إنسانًا، وأعطاه قوة عمياء تستشيطه وتقوده إلى جنونٍ لا يخمد إلا بإشباع رغبةٍ، ووضع فيه حياةً: التي هى طَيْف الموتِ. ثم ضحك الله، وبَكَى، فشعر بحبٍ غامرٍ وشفقة على الإنسان، فآواه تحت إرشاده »

— خليل جبران، ترجمة نثره عن الخلق

٭ اللوحة بعنوان: ”إنسان النار“ للفنان ”جريج نورمان“
أحدث أقدم