الخطية ‏الجدية ‏في ‏مواجهة ‏الخطية ‏الأصلية ‏(١) ‏- ‏انطوني ‏هيوغس


[ ترجمة الخطية الجدية في مقابل الخطية الأصلية، أنطوني هيوغس - جزء ٥/١]

« سنفحص الفروق بين ”عقيدة الخطية الجدية“ -كما تم فهمها في كنيسة القرنين الأوليين وكما تم فهمها من الكنيسة الأرثوذكسية الحالية-،  وبين ”عقيدة الخطية الأصلية“ -التي كوّنها اغسطينوس وورثته في التقاليد المسيحية الغربية-، وسنفحص تأثير تلك الصياغتين على الممارسة الرعوية. عقيدة الخطية الجدية تؤدي بطبيعتها إلى التركيز على الموت الإنساني والتحنن الإلهي كميراث آدمي، بينما تركز عقيدة الخطية الأصلية على الذنب الإنساني والغضب الإلهي... توجه الكنيسة القديمة [الأولى] كان علاجي بالأكثر من كونه قضائي، توجه ذو اهتمام رعوي وتوجيهي.

حقًا كان الحب هو قلب ونفس لاهوت كنيسة الآباء الأولين ولاهوت الكنيسة الأرثوذكسية. آباء الكنيسة شرقًا وغربًا في القرون الأولى شاركوا نفس الرؤية: أن البشرية تاقت للتحرر من طغيان الموت والخطية والفساد والشرير، وهو ما يمكن فقط بلوغه من خلال حياة وموت وقيامة يسوع المسيح، فقط المجيء التحنني لله في الجسد يمكنه أن يحقق خلاصنا، لأنه وحده من يقدر أن يغزو تلك الأعداء التي للبشرية. فلا يمكن للأرثوذكسية أن تتخيل حياة خارج الحب كلى التحنن وخارج  نعمة الله الذي جاء بذاته لينقذ خليقته الساقطة. عند آباء الكنيسة الأرثوذكسية، اللاهوت هو بكليته عن الحب... 

لربما يتعجب البعض حين يعلموا أن برغم ما آل إليه انتشار مصطلح الخطية الأصلية،  لكنه مصطلح كان غير معروف للكنيسة الشرقية والغربية إلى [أن جاء] اغسطينوس، لربما طُرِح المفهوم في كتابات ترتليان، ولكن المصطلح بدا أولًا في كتابات اغسطينوس، أما قبل هذا فكان لاهوتيي الكنيسة الأولى يستخدمون مفردات مختلفة تعبر عن طريقة مغايرة في فهم السقوط وتأثيراته واستجابة الله له. التعبير الذي استخدمه الآباء اليونانيين [المتحدثين باليونانية] هو الخطية الجدية،  والخطية الجدية لها مفهومها الخاص، حيث الكلمة اليونانية للخطية في هذا التعبير ἁμάρτημα [آمارتيما] تشير إلى فعل الفردي، مما يوضح أن الآباء الشرقيين حمَّلوا كل مسئولية خطية الفردوس لآدم وحواء وحدهما. كلمة ἁμαρτία [آمارتيا] الكلمة المعتادة للخطية التي تعني حرفيًا "اخفاق الهدف"، تستخدم للإشارة إلى حالة مشتركة للبشرية كلها.

الكنيسة الشرقية بعكس نظيرتها الغربية، لم تتحدث قط عن ذنب منتقل من آدم وحواء إلى ذريتهم كما فعل اغسطينوس. ولكنها على النقيض كانت أطروحتها أن كل إنسان يحمل ذنبه الخاص، وبهذا يصير السؤال: ”ما هو إذن ما ورثته البشرية من آدم وحواء إن لم يكن الذنب؟“، يجيب الآباء الأرثوذكسيين بصوت واحد: "الموت" (١ كو ١٥: ٢١)، إذ أن الإنسان وُلِدَ بقوة الموت الأبوية في داخله. ويعلم ق. كيرلس السكتدري أن طبيعتنا صارت "مريضة ... من خلال خطية الواحد" (موسوعة ميني ١٨٥٧-١٨٦٦أ) ، فما تم تناقله لدى الآباء الأرثوذكسيين ليس هو الذنب، بل الحالة: المرض. 

في الفكر الأرثوذكسي، خُلِق آدم وحواء بدعوة لكى يصيرا واحدًا مع الله، لتزداد قدرتهم تدريجيًا إلى أن تشارك في حياته الإلهية بالتأله. إذ احتاجوا للنضج، للنمو في الوعى، بعدم التعلق الحر [بالماديات]، وبالإيمان، وبالثقة الحبية في الإله الشخصي. ق. ثيؤفيلس الانطاكي يوضح أن آدم وحواء خُلِقا ليس كغير مائتين ولا كمائتين، بل بقدرة أن يصيرا أى من الحالتين بحسب طاعتهما أو معصيتهما، حرية الطاعة والمعصية كانت عند آبائنا الأولين لأن الله جعل الإنسان حُرًا وله سيادة. فإن عانق دعوته المُعطاة إلهيًا  سيكون له حياة، وإن رفضها فله موت، ولكنه ليس موت من يد الله [لم ينفذه الله عقابيًا]. 

ويكمل ق. ثيؤفيلس قائلًا: ”فإن حَفِظ الوصية الإلهية لتمت مكافئته بعدم الموت.. ولكن إن انقلب إلى ما للموت بعدم طاعة الله، فسيصير الإنسان مِسَبِّب الموت لذاته“ (ترجمة رومانيدس، الخطية الجدية، ص٣٢). ولكن آدم وحواء أخفقا في طاعة الوصية بعدم الأكل من الشجرة المحرمة، وبهذا رفضا الله ودعوتهما أن يُستَعلن فيهما كمال الوجود الإنساني. فبدأ تسلط الموت والفساد على الخليقة، اذ "مَلَكَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْمَوْتِ" (رو ٥: ٢١)، وفي هذا المنظور، الموت والفساد ليس الله مصدرهما، لم يخلقهما ولم يعدهما، الله لا يمكن أن يكون مُوجِد الشر، بل الموت هو نتيجة طبيعية التحول جانبًا عن الله. 

آدم وحواء غُلِبا بنفس الإغراء الذي يصيب كل البشرية: أن يستقلوا، أن يذهبوا في طريقهم الخاص، أن يدركوا كمال وجودهم الإنساني بدون الله. بحسب الآباء الأرثوذكسيين، الخطية ليست تعدي على قانون غير مشخصن [قانون مُجرَّد]، ولا هى مخالفة قواعد سلوكية، بل رفض الحياة المقدمة من الله، ذلك هو "الهدف" الذي تشير إليه كلمة ἁμαρτία  [آمارتيا: إخفاق الهدف]، الحياة البشرية الساقطة في المقام الأول هى إخفاق في تحقيق قدرة الوجود الإنسانى المُعطَى إلهيًا، الذي كما كتب ق. بطرس : ”تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ“ (٢ بط ١: ٤)، وكتب ق. باسيليوس: ”الإنسانية هى حيوان تلقَّى دعوة أن يصير إلهًا“ (ترجمة أوليفيه كليمنت، أسس المستيكية المسيحية، ص٧٦) » 

... يُتبَع

— ترجمة جزء ٥/١ من ورقة بحثية بعنوان ”الخطية الجدية في مقابل الخطية الأصلية: نظرة على الآثار المترتبة في العلاج النفسي“، للأب أنطوني هيوغس، الحاصل على ماجستير في اللاهوت، وراعي كنيسة ق. مريم، كنيسة أنطاكية الأرثوذكسية، بكامبريدج ماساتشوسِتْسْ
أحدث أقدم