« أن تجعل العلم بديلًا عن الميتافيزيقا، فهذا لا يعني أنك فقط تُقصِي الإله عن العالم، بل إنك تُقصِي الحب والكراهية ومعنَى/مغزَى الحياة، حيث أنك ستعتبر العالم بديهي، وهذا ليس العالم الذي فيه نعيش. ولكن هذا لا يعني أنك لكى تؤمن بمعنى للعالم يجب عليك أن تؤمن بإله، بل يعني أنك إن آمنت أن العلم لا يُرَسِّخ أساسًا لله فسيستوجب عليك وقتئذ أن تستنتج مجبرًا أن العلم لا يُرَسِّخ أساسًا للمعنى، ووقتها ستصير الحياة نفسها بلا أى معنى عندك.
بعبارة أخرى، الأطروحات الوجودية ستصير بلا وزن، حيث أن كل المعرفة [بالمنهجية العلمية] ما هى إلا معرفة عملية. ولكن المفارقة هنا أن المنهجية العلمية هى نتاج الأيدي البشرية، ولهذا فهى لا تستطيع بلوغ حقيقة ما مطلقة. نحن نبني النظريات العلمية لننظم ونتحكم في العالم، لنقلص الظواهر إلى وحدات يمكن التحكم فيها، العلم مبني على إعادة الإنتاج والموضوعية المُصَنَّعة. وبقدر ما يتيح العلم إنشاء فرضيات عن المادة والطاقة، بقدر ما يجعل أيضًا المعرفة غير قابلة للتطبيق وجوديًا وصميميًا فيما يتعلق بطبيعة الحياة البشرية، لأن الحياة البشرية متفردة في ذاتها، ذاتية [غير موضوعية]، ولا يمكن توَقُّعها.
وإن كان العلم أفضل الطرق لتنظيم البيانات التي يمكن إعادة إنتاجها تجريبيًا، إلا أن قوته على القيام بهذا مبنية على عدم قدرته على الإلمام بالجوانب الأكثر مركزية في الحياة البشرية، أى الإلمام بالأمل والخوف والحب والكراهية والجمال والحسد والشرف والضعف والسعى والمعاناة والفضيلة. وستظل دائمًا هناك فجوة بين تلك العواطف الجوهرية والنظرية العلمية؛ فلا يوجد أى نظام فكري يقدر أن يحتوي ملء التجربة الإنسانية، لهذا فالنطاق الميتافيزيقي سيظل دائمًا محكومًا بالاستعلانات. »
— بول كالانيثي، جَرَّاح أعصاب، وحاصل على ماجستير في الأدب وفلسفة العلوم من جامعة كامبريدج، مُترجم عن كتابه ”حين يصير النَفَسُ هواءًا“، الباب الثاني بعنوان ”لا تتوقف حتى الموت“، وهو الكتاب الذي كتبه في أواخر أيامه أثناء مرضه بالسرطان وعلمه بقرب وفاته، ولم يستطع إكماله
________
اللوحة بعنوان ”Ecce Homo“ للفنان چادسون هوس، من الـ Fantastic Art، وعبارة الـ ”Ecce Homo“ اللاتينية هى العبارة التي نطق بها بيلاطس البنطي بعد تعذيب السيد المسيح وتقديمه لليهود: "هُوَذَا الإِنْسَانُ" بحسب بشارة يوحنا ١٩: ه، إشارة إلى حالة المعاناة والألم والتمزق التي يواجهها الإنسان التي لا يستحق بعدها أى معاناة أكثر