« هل الأرثوذكسيّة ديانة؟ يعتقد الكثيرون أنّ الأرثوذكسيّة ليست سوى واحدة من الديانات الكثيرة، وأنّ همّها الأوّل هو تهيئة أعضاء الكنيسة للحياة بعد الموت، وتأمين مكانٍ في الفردوس لكلّ أرثوذكسيّ. يفترض هؤلاء أنّ العقيدة الأرثوذكسيّة تُقدِّم ضمانةً إضافيّةً لأنّها أرثوذكسيّة، وأنّ عدم الإيمان بالعقائد الأرثوذكسيّة يُعدّ سببًا آخر لذهاب الإنسان إلى الجحيم، إلى جانب خطاياه الشخصيّة التي قد تقوده أيضًا إلى هناك. أولئك الأرثوذكسيّون الذين يؤمنون بأنّ ما سبقَ ذكره يَصِفُ الأرثوذكسيّة، قد ربطوا الأرثوذكسيّة حصرًا بما بعد الموت. أمّا في هذه الحياة، فهؤلاء الناس لا يحقّقون الكثير. هم فقط ينتظرون أن يموتوا، مؤمنين بأنّهم سيذهبون إلى الفردوس لمجرّد أنّهم حين كانوا أحياء، كانوا أرثوذكسيّين.
ثمّة شريحةٌ أخرى من الأرثوذكسيّين تنخرط في الكنيسة وتكون ناشطةً فيها، غير مهتمّةٍ بالحياة الأخرى، بل بهذه الحياة على وجه الخصوص، أي بما هو هنا والآن. ما يهمّها هو كيف يمكن للأرثوذكسيّة أن تساعدها في أن تحيا حياةً جيّدةً في الحاضر. هؤلاء الأرثوذكسيّون يُصلّون إلى الله، ويطلبون من الكهنة أن يصلّوا عليهم، ويكرّسون بيوتهم بالماء المقدّس، ويرتّلون خدم الابتهال، ويُدهنون بالزيت،... من أجل أن يساعدهم الله على التمتّع في حياتهم الحاضرة؛ أي لكي لا يمرضوا، ويحقّق أولادهم مكانةً في المجتمع، وتحصل بناتهم على عريسٍ جيّد، ويجد أبناؤهم فتياتٍ جيّداتٍ للزواج، وتسير أعمالهم ومصالحهم جيّدًا، وحتّى لكي يسير جيّدًا سوقُ الأسهم أو المصنع الذي يعملون فيه... إذًا، نرى أنّ هؤلاء المسيحيّين لا يختلفون كثيرًا عن الذين يتبعون دياناتٍ أخرى، لأنّ أولئك يتصرّفون بالطريقة نفسها...
مع ذلك، مَن من المسيحيّين الذين تحدّثنا عنهم، يهتمّ في قرارة نفسه بأن يعرف إذا كان الله موجودًا أم لا؟ مَن هو الذي يصبو إليه فعلاً ويبحث عنه؟ إنّ مسألة وجود الله لا تُطرح حتّى، لأنّه واضحٌ أنّه من الأفضل أن يكون الله موجودًا، لكي ندعوه ونطلب منه أن يُلبّي احتياجاتنا، وأن يَسير عملنا جيّدًا، وأن نتمتّع ببعض السعادة في هذه الحياة. كما نرى، ثمّة قابليّةٌ كبيرةٌ لدى البشر لأن يرغبوا في أن يكون الله موجودًا، وأن يؤمنوا بوجوده، لأنّنا بحاجةٍ إلى أن يكون الله موجودًا كي نضمن كلَّ ما سبق ذكره. وبما أنّنا نحتاج إلى أن يكون الله موجودًا، إذًا، الله موجود. إذا لم يكن الناس محتاجين إلى إله، وكان بإمكانهم اتّخاذ التدابير لضمان تأمين ضروريّات العيش بوسائل أخرى، فمَن يعلم عدد الذين سيَبقون على إيمانهم بالله؟... يحصل ذلك لأنّهم يشعرون أنّهم لا يستطيعون إكمال حياتهم من دون أن يستغيثوا بإلهٍ ما لإعانتهم، أي إنّ هذا يكون نتيجةَ معتقداتٍ خرافيّة. ولهذه الأسباب، تُشجّع الطبيعة البشريّة الإنسانَ على أن يكون متديّنًا. لا ينطبق هذا فقط على الأرثوذكسيّين، بل على أتباع الديانات كلّها. فالطبيعة البشريّة هي نفسها في كلّ مكان. وبما أنّ النفس البشريّة أظلمَتْ نتيجة سقوط آدم، بات الناس يميلون إلى الخرافة...
انّ تركيز هذين الفريقَين، أو اهتمامهما الأساسيّ، ليس التطهُّر والاستنارة، فهُما قد وضعا أمامهما الأهداف الخاطئة، من وجهة نظر الآباء. أمّا عندما يركّزان على التطهُّر والاستنارة، ويُمارسان نسك الآباء الأرثوذكسيّ بهدف بلوغ الصلاة النوسيّة، فحينئذٍ فقط، يمكن أن ترتكز الأمور الأخرى كلّها على أساسٍ ثابت. هذان الميلان هما مبالغاتٌ تعكس تطرّفَين...
لم يهتمّ الآباء اهتمامًا جوهريًّا بما سيَحدث للإنسان بعد الموت. كان اهتمامهم الأساسيّ ما سيصير عليه الإنسان في هذه الحياة... ليس اللّاهوت الأرثوذكسيّ خارج العالم أو مستقبليًّا أو إسخاتولوجيًّا (أخرويًّا)، ولكنّه مرتكزٌ بوضوحٍ في هذا العالم، لأنّ الأرثوذكسيّة تركّز على الإنسان في هذا العالم وفي هذه الحياة، وليس بعد الموت. إذًا، لماذا نحتاج إلى التطهُّر والاستنارة؟ هل لكي نذهب إلى الجنّة ونهرب من الجحيم؟ هل هما ضروريّان لهذا السبب؟ ما هو التطهُّر والاستنارة، ولماذا يريد الأرثوذكسيّون أن يبلغوهما؟ من أجل إيجاد سبب ذلك، ومن أجل الإجابة عن هذه الأسئلة، يلزمكم أن تفهموا ما يعتبره اللّاهوت الأرثوذكسيّ المفتاحَ الأساسيّ لهذه الأمور.
استنادًا إلى اللّاهوت الأرثوذكسيّ، المفتاح الأساسيّ هو حقيقة أنّ مَن في العالم سيُنهون كلّهم مسارَهم الأرضيّ بالطريقة ذاتها، بغضّ النظر عمّا إذا كانوا أرثوذكسيّين أو بوذيّين أو هندوسيّين أو لاأدريّين أو ملحدين، أو أيّ شيءٍ آخر. جميع مَن على الأرض سيَرى مجد الله. في المجيء الثاني للمسيح، الذي سينتهي به تاريخ البشريّة كلّه، سيرى الجميع مجد الله. وبما أنّ الناس جميعًا سوف يرون مجد الله، فكلّهم سيبلغون النهاية ذاتها. فعلاً، كلّهم سيرون مجد الله، ولكن ليس بالطريقة ذاتها – فبالنسبة إلى بعضهم، سيكون مجدُ الله نورًا عذبًا للغاية لا يغرب؛ وبالنسبة إلى بعضهم الآخر، سيكون مجد الله ذاته مثل "نارٍ آكلة" ستُحرقهم. نتوقّع أن تجري معاينة مجد الله هذه كحدثٍ حقيقيّ. إنّ رؤية الله –أي رؤية مجده ونوره– أمرٌ سيحصل سواء أردنا حصوله أم لا. إلاّ أنّ اختبار ذلك النور سيكون مختلفًا عند الفريقين. لذلك، ليست مهمّة الكنيسة أن تساعدنا على رؤية هذا المجد، لأنّ ذلك سيحصل في شتّى الأحوال.
يركّز عمل الكنيسة وكهنتها على كيفيّة اختبارنا معاينة الله، لا على إمكانيّة اختبارنا إيّاها. مهمّة الكنيسة هي أن تُعلن للبشر أنّ الإله الحقيقيّ موجود، وأنّه يُظهر نفسَه نورًا أو نارًا آكلة، وأنّ البشريّة كلّها ستُعاين الله في المجيء الثاني للمسيح. وبعد إعلانها هذه الحقائق، تحاول الكنيسة أن تهيّئ أعضاءها لكي، في ذلك النهار، يروا الله نورًا، لا نارًا آكلة... عندما تهيّئ الكنيسة أعضاءها وكلَّ مَن يرغب في رؤية الله نورًا، هي بذلك تمنحهم مسار علاجٍ شفائيّ... مسار العلاج الشفائيّ هذا هو نسيج التقليد الأرثوذكسيّ، والاهتمام الرئيسي للكنيسة الأرثوذكسيّة. يتضمّن ثلاث مراحل من الارتقاء الروحيّ: التطهُّر من الأهواء، الاستنارة بنعمة الروح القدس، والتألّه بنعمة الروح القدس أيضًا. ويجب علينا أن ننتبه إلى أنّه في حال لم يبلغ المؤمن في هذه الحياة حالة استنارةٍ جزئيّةٍ على الأقلّ، فلن يستطيع معاينة الله نورًا، لا في هذه الحياة ولا في الآتية. »
— اللاهوتي الأرثوذكسي الأب يوحنا رومانيدس، مقتطفات من الفصل ١٠ لكتاب ”اللاهوت الآبائي، المحاضرات الجامعيّة“، ترجمة الخوريّة جولي عطيّة عيسى