ق. توما في الطريقة الخامسة والأخيرة ديه اعتمد على الفكر السابق له من افلاطون وسقراط وارسطو والرواقية (Stoicism)، الطريقة الغائية ديه هى أشهر طريقة بيستخدمها اللي بيؤمنوا بوجود كيان إلهي، حتى خارج المسيحية، مش بس الاغريق السابقين والمعاصرين للمسيحية، ولكن حتى الديانات التالية للمسيحية، كمثال استخدمها الإمام الغزالي (مثال مش للحصر).
الفكرة باختصار إن كل الكيانات غير العاقلة، سواء الكيان ده كيان حىّ أو مجرد صورة من صور الوجود (جماد، سائل، غاز) أو طاقة أو غيرها من كيانات فيزيائية حديثة (الكترون، بروتون، كوارك، فوتون ... الخ)، في الطريقة ديه، نقدر من خلال ملاحظتنا ودراستنا لها في الطبيعة، نلاقي إنها وكل الموجودات بتهدف لشىء نهائي توصل له، في حين إنها غير عاقلة وغير مفكرة، وبرغم من كده ليها غاية نهائية، فوجود غاية للنهائية في كيانات غير عاقلة بيدل على وجود كيان عاقل محرك لهم تجاه غاية محددة
كمثال، لو بصيت على البذور، هتلاقيها بتنمو لغاية لما توصل لصور ورد أو شجر (حسب نوع البذور) ، بص للنحل مثلًا هتلاقيه بياخد خطوات معقدة لانتاج العسل وبيساعد في التلقيح، وهتلاقي تعاون غرضي بين البذور اللي انتجت الورد وبين النحل اللي انتج العسل وبين الهوا اللي ساهم في التلقيح، النحلة مثلًا مبتاخدش دروس مكثفة في العملية ديه بمجرد مجيئها للوجود، بالعكس، بتتولد وكإنها مبرمجة للغاية ديه
فيه كذا سوء فهم منتشر للطريقة الخامسة:
أ. إن الطريقة ديه بتتجاهل نظرية التطوُّر، اللي خلت الكائنات ديه مع الزمن تنفذ الغاية اللي عايزة توصلها، يعني مثلًا في مثال النحل، يمكن مليارات النحل اللي معملش كده انقرض وفضلت بس السلالة اللي قادرة تعمل الدور ده وتنتج عسل وتساهم في التلقيح عشان التوازن البيئي يستمر، وبكده منبقاش محتاجين لمسببات غائية، لكن الرأى ده بيتجاهل نقطتين:
أ.١. الطريقة الخامسة، مش مقتصرة فقط على الكائنات الحية، ولكن ده يشمل كمان الكيانات غير الحيّة، ق. توما الاكويني استخدم مثال يناسب عصره عن السهم المصنوع من الخشب اللي بينطلق من يد الرامي بغرض انه يرشق في منتصف الهدف، هو مجرد حتة خشبة طبيعتها متملكش توجه ذاتها، بس توجيهها وتحديدها نحو الهدف النهائي جه من كيان خارجي (في مثاله الرامي)، مثاله قاصر شوية، خلينا ناخد مثال يناسب عصرنا، مثلًا نبص على الالكترون والبروتون، الاتنين منجذبين لبعض، وانجذابهم لبعض اللي متبرمجين عليه بلا عقلانيتهم ده سبب وجود كل الجدول الدوري بكل عناصره الكيميائية، جابوا منين ميلهم الطبيعي للانجذاب لبعض؟ منين وصلوا لخواصهم الذاتية ديه؟ اللي بدورها ضمنت وجود كل المواد! هم غير عاقلين، ومش مدركين للغاية النهائية، يبقى لازم يكون فيه كيان خارجي برمجهم للميل ده بغرض أسمى
أ.٢. الطريقة الخامسة مش بترفض نظرية التطور، بالعكس ديه بتؤيدها، الطريقة الخامسة مهياش التصميم الذكي (intelligent design)، اللي هو كل الموجودات الحيّة اتوجدت بصورتها النهائية من مصمم ومهندس ذكي، وإن كان للأسف كتير بيشرحوها بالخطأ بإنها تساوي التصميم الذكي، بالعكس، الطريقة الخامسة بتقر إن الكيانات اتوجدت بغاية داخلية اتزرعت جواها (Intrinsic Finality) اللي بدورها أوجدت في الكائنات ديه ميل طبيعي (natural inclination) للتغير والتشكل وبلوغ غاية نهائية (Teleology)، يعني الكائنات ديه اتوجدت بقدرة سببية داخلية جواها بتسعى لهدف معين، ممكن يكون الهدف ده تطور ارتقائي مثلًا، مفيش أى تعارض بين ده والطريقة الخامسة بالعكس هى أكثر اتساقًا مع التطور
ب. سوء فهم تاني للنظرية، الظن بإنها بتقول إن كل الكائنات بكده بقت موضوع عليها extrinsic finality (غايات نهائية مجبرة عليها خارجيًا) تصوَّره كإنه نوع من التسيير، وبكده نكون بنلغي حرية الارادة تمامًا، وأشهر مثال تقليدي على ده هو نظرية ”الإله صانع الساعات“ (Watchmaker God)، وكإن الكل تروس حطها صانع الساعة بقوة غائية خارجية اجبارية، وهنا برضوه في مغالطات ناتجة عن سوء فهم طرح الطريقة:
ب.١. الطريقة الخامسة مبتقولش كده، لكنها بتؤكد الـ intrinsic finality ان الغاية بتحددها الكيانات داخليًا بميل طبيعي جواها مش بقوة خارجية مجبراها extrinsic finality، بمعنى إن الكيان الخارجي ده مش هو المسبب الأوحد لتروس مجبرة على مسارها زىّ نظرية الـ watchmaker god، ولكن بيدي الكيانات التانية القدرة انها تكون مسببات غائية بميل طبيعي فطري فيها.
ب.٢. إيه الفرق بين الـ Intrinsic Finality والـ extrinsic finality اللي مسبب الخلط؟ كمثال لتبسيط الفرق بين الـ Intrinsic Finality وال extrinsic finality، تعالوا نتخيل مثال أفضل من مثال ق. توما بتاع السهم الخشبي (لإنه مكنش متاح له مثال أفصل في عصره)، فرضًا عندنا هدف متحرك في معركة عسكرية، لنفترض طيارة عدو، واحنا عايزين نسقط الطائرة ديه بصاروخ، هيكون قدامنا نوعين من صواريخ الدفاع، النوع الأول هو صاروخ بتتحكم فيه قاعدة مركزية على الأرض وتوجهه بوحدات تحكُّم (زىّ الـ joystick كده بتوجهه remotely) لغاية لما تخليه يصيب الهدف، هنا الصاروخ نفِّذ غائيته (إصابة الهدف) من خلال تأثير خارجي بيحركه (وحدة تحكم أرضية بتوجهه)، الصاروخ هنا في حالة extrinsic finality، في حين لو استخدم الجيش صاروخ بيتجه نحو الهدف باستخدام التتبع الحراري للجسم (الهدف) والأشعة الضوئية، فهنا مش محتاجين متحكم خارجي مُجبِر لبلوغ الغاية، الصاروخ طبيعته متصممة من ذاتها إنها تغيّر اتجاهها نحو الهدف بناء على تتبع حرارته، في الحالة ديه غائية الصاروخ Intrinsic Finality بتوجه ذاتها بذاتها من غير حد يغير مسار حركة الصاروخ من الخارج، الطريقة الخامسة بتعتبر الموجهات في الصاروخ Intrinsic Finality وبتعتبر إن برمجتها بالsensors اللي في مثالنا حرارية وضوئية لازم تكون من كيان آخر وإلا مين برمج طبيعتها إنها تتبع الحرارة واداها مجسات بتميل لتوجه معيّن في طبيعتها؟
ج. مغالطة تالتة ناتجة عن سوء فهم الطريقة الاكوينية الخامسة، الاعتراض إن الطريقة بتقول إن فيه منبع غائي واحد، فبيتم طرح فكر معارض، إن ممكن المنبع الغائي العاقل ده يكون هو كمان تم برمجة طبيعته فطريًا إن يكون له ميل داخلي، إنه يوجد موجودات تانية بميل داخلي جواها! يعني فيه منبع غائي فوقه، واللي بدوره فوقه فيه منبع غائي ... الخ
ج.١. احتمالية منطقية جدًا طبعًا، فيها تتحول الغايات لوسائل غايات أسمى من كيانات أسمَى، لو جارينا التسلسل ده، لو الكيان اللي أسمى منها وصيّرها فيها مسبب داخلي، فرضًا له كيان تاني اللي اداله سببيته الغائية، فهنفضل نقفز قفزات منطقية لكيان تاني أعقل اداله ميله الطبيعي للغاية، ومنه لكيان تالت أعقل اداله ميله الطبيعي وغايته، ثم لكيان رابع أعقل ... إلخ، لغاية لما نوصل لكيان نهائي هو مسبب الـ telos (غائية) للكل، بحسب الـ regression والطرق الأربعة الأولى لو فضلنا نتبع لازم نوصل لكيان منبع الغائية وغائيته من ذاته مش من غيره، والا مش هيكون عندنا في طبيعتنا أى كيان غائي لو التسلسل لا نهائي، بس احنا عندنا بالمشاهدة الـ empirical كيانات غائية، يبقى لازم يكون عندنا نبع أوّلي للـ telos
خلاصة الطريقة الخامسة، إن الكيانات كلها غير العاقلة، الحية وغير الحية، فيها ميل غائي طبيعي مزروع جواها، والميل ده بيخليها مسبب من مسببات كتير بينهم تعاون غرضي بين كيانات مختلفة بيسمح لها تكون مسببات لوجود غايات لها قيمة في استمرارية الوجود، ولإن الكيانات ديه غير عاقلة ومفهوم حرية إرادتها بيتحرك فطريًا، فده يضطرنا نقر بوجود كيان خارجي عاقل (أكثر عقلانية)، وضع فيها ميل داخلي فطري، علشان تكون هى ذاتها مسببات لغايات داخلية فيها، ولو الكيان اللي أسمى منها وصيّرها مسبب داخلي له كيان تاني (فرضًا) اللي اداله سببيته الغائية، فهنفضل نتتبَّع منطقيًا المتسلسلة لغاية لما نوصل لكيان نهائي هو مسبب teleological (غائي) للكل بميولهم الطبيعية الداخلية، يهدف لغايات نهائية زىّ استمرارية الوجود، الكيان اللي في اول التسلسل مسبب كل الوجود (منبع الوجود) ومسبب كل الغايات (منبع الغايات) وهو الأعقل في كل التسلسل ده (منبع العقلانية) وهو اللي بيسميه المسيحيين: الإله.
ده كان آخر جزء من الخمس طرق اللي شرحها ق. توما الاكويني للمبتدئين -بحسب توصيفه!- لإثبات وجود كيان إلهي منطقيًا في ملخصه اللاهوتي (Summa Theologica)