[ترجمة مقتطفات من ٩ فصول من مذكرات چون سبينكس، عن كيف كان يتم تدجين وغسل مخه كتابع طائفة/معتقد ديني، ورحلته للخروج من تلك الأسوار]
« ١. عندما تُؤخَذ كطفل، ويتم تربيتك على معتقد بتطرف متوارثًا إياه عن عائلتك، وتتعلم أن كل الآخرين غيرنا على خطأ، ونحن فقط على صواب، وتخلق لدى الطفل ثقافة ”هم ونحن“، بحيث أن لا مكان يناسبك سوى أن تكون بين أفراد طائفتك، ويتم اغراقك بالاستحسان كلما أطعت، وتتعلم أن القائد [الديني] يجب أن يتم تقديسه وأن يُطاع وإلا يتم نبذك [من أفراد الطائفة التي ما صار لك سواها لتقوقعك]، سينتهي بك المطاف إلى طفل مثلي يشبهني!... إياك أن تتعدى الخط وإلا كل الأفراد الآخرين سيعزلون نفسهم عنك، ولن يصير لك في الحياة شئ سوى أن تخضع لقانونهم مجددًا...
٢. هؤلاء القادة [الدينيين] يأخذون سلطتهم على أتباعهم ليس سوى لأن أتباعهم ينظرون إليهم على كونهم المنحدرين روحيًا عن الرسل [خلفاء الرسل]... ٣. وإن خالفهم شخص، يتم فصله [عزله/شلحه]، ويتم اعتباره غير نقي ونجس ويجب على الكل الابتعاد عنه [بتشويه صورته والتشهير به وشيطنته]... كذلك لا يجوز الزواج من أى أحد إلا إن كان من نفس طائفتك... وهكذا تسيطر الطوائف الدينية على أتباعها من خلال قوانين خاصة بها، بل إن الكثير من الطوائف لديهم قوانين أنه إن فارقهم أحد [إيمانيًا] فلا يحق لأفراد العائلة أن يحصلوا على حياة عائلية طبيعية مع من فارقوا معتقدهم، بل تنص قوانينهم أن العائلة يجب أن تُفَرَّق...
٧. لقد كنت في الديانة التي على صواب، الكنيسة التي على صواب، الرأى الذي على صواب، الطائفة التي على صواب. وكل الآخرين مخطئون أو على الأقل ليسوا على صواب بقدر ما نحن عليه. فنحن أفضل كنيسة على وجه الأرض، نحن نملك الصواب، بل نحن الصواب ذاته. نحن نعرف الصواب في ما يتعلق بالكتاب المقدس بعكس غيرنا وبعكس كل الجماعات الأخرى، نحن لدينا خلفاء روحيين للرسل قائدينا... حقائقنا حقائق مطلقة، لا تحتاج إثبات ولا فحص...
نحن منعزلون عن كل الآخرين [في قوقعتنا] إلا إن كانوا في جماعتنا التي وحدها على صواب، الآخرين ”غير مستحقين“ لا لرفقتنا ولا حتى أن نكسر معهم خبزًا في التناول ولا حتى مستحقين لطقوسنا؛ فهم بدون استحقاق... عجبًا، أنا وحدي من أملك الحق وكل هؤلاء البشر مخدوعون، كم أنا محظوظ! أما كل من هو خارج طائفتنا فينظر له ونسميه ”دنيوي“، خارج جماعتنا، كلهم خوارج!...
كبرت شاعرًا إن هذا هو الطبيعي... اعتيادي لتلك الأمور، مع احتياجي الشديد للانتماء تحقق في مجموعات متماسكة بإحكام كنت فيها... أتذكر جيدًا حين كنت أفكر وأقول ”يستحيل أن جماعتنا [بكل عدد أتباعها هذا] كلها على خطأ“...
كنت أعتقد أننا نحن فقط من نملك الحقيقة، ورباني أبواى الذين أحبونني -وكانوا حقًا أمناء- على هذه القناعة، ولم أكن أعرف غيرها، وكبرت مستغرقًا كثيرًا من الوقت في اجتماعات أناس لهم نفس قناعاتي وإيمانياتي، كان لدى احتياج لاشباع الانتماء، وكل الكتاب المقدس لدى كان يجب تفسيره من منظور [من أسميناهم] رجال الله [القادة الدينيين] تم تعليمي أننا نحن فقط من نعرف المعرفة الروحانية [البقية غير روحانيين، ماديين، عالميين] لهذا كان طبيعي أن يتم تلقيني أن كل من يتركنا شرير ونجس، بل أني كنت أؤمن أن أماني الأبدي يعتمد على بقائي في الجماعة، وإن تركت الطائفة [لن أخسر فقط أبديتي] بل أيضًا ستقاطعني أسرتي وعائلتي وهم كل من أعرف [لانعزالي الذي نموني عليه]
٩. إن انتهاك الحرية الإنسانية أشد خطرًا مما يظن الكثيرون، يجب أن نشعر بالفزع من العبودية، إن أخذ الإنسان والتحكم فيه مثل الحيوان غير مقبول لا اجتماعيًا ولا قانونيًا، ولكن لدى كثيرين التحكم في الآخر من خلال غرس العقيدة الدينية بعواقب مخيفة في حالة عصيانها أمر مقبول ونسميه دينًا! ... ويشارك في هذا أيضًا القادة [الدينيون] الذين يتمتعون بشخصية كاريزمية ويسيطرون على عقول أولئك الذين يمكنهم التأثير والسيطرة عليهم. وما يجعل الأمر أكثر خطورة، بشكل ماكر، هو أن معظم هؤلاء القادة مخلصون تمامًا. مثل شاول الطرسوسي الذي كان يجول يصنع "مشيئة الله" بقتل غير المتفقين مع آرائه، يعتقد هؤلاء القادة اليوم أيضًا أن لديهم تفويضًا من الله، كلهم يعتقدون أنهم يملكون ذلك....
في خضم صراعي للخروج من هذه الطائفة، وجدتني أصارع مع قلعة حصينة، تتكون من سور عالٍ لا يمكن اختراقه، وحولها خندق غير معروف عمقه مملوء أفاعي وعقارب، حوله حاجز من الأسلاك الشائكة وحقل ألغام مميت واسع تم تشييده حولي. كان السور هو ثقتي في ما دربني عليه أبواى وأخوتي مما لقنوني على اعتقاده، فصار متأصلًا في ذهني، صاقلًا أسلوب حياتي وعاداتي، هذا ما تم تلقيني إياه في كل اجتماع ديني على مدار سنوات حياتي، حيث كنت أسمع خطابًا متكررًا في البيئة المنغلقة حيث تم أيضًا تلبية الحاجة لدىّ إلى الانتماء. وخلف السور إن تمكنت من تجاوزه يمكنك الغرق بسهولة في الخندق المائي ذي العمق المجهول المليء بالأفاعي والعقارب، وهو يمثل التفكير الذي يرى في نفسه الصلاح المتعصب ضيق الأفق بأننا نحن فقط من نملك الحق، وإننا نمثل إرادة الله، لذا فمصيرنا هو الملكوت [أما غيرنا فمصيره جهنم]! كان إنكار هذا أمرًا غير محتملًا لأن التلقين الإجباري لهذا كان عميقاً وفوق ذلك كان هذا كل ما نعرف. وخلف الخندق تواجه سورًا آخرًا هذه المرة سور يبدو كما لو كان لا يمكن تجاوزه من الأسلاك الشائكة الحادة الذي هو الخوف من مساءلة ومجادلة رجال الله وأي من تعاليمهم... وكل من عارضوهم اختبروا جروحًا عميقة [من التشويه والشيطنة] وتم وصفهم بكونهم أشرار وأنذال [وفئران جحور]، وكثير منهم لازالوا يحملون أثر تلك الندبات طيلة حياتهم...
كيف تمكنت إذاً من الهروب من هذا الحصنً الذي من صُنع البشر، لأعيش وأروي سيرتي؟ لقد حفرت نفقًا تحت النظام بأكمله حتى خرجت إلى ضوء الشمس. حفرت النفق بمفردي دون أي مساعدة، وهذا شيئًا لا أوصي به أحد على الإطلاق، فقد استغرق الأمر مني سنوات قبل أن أرى ضوء الشمس. لكني في اللحظة التي نجحت فيها في بلوغ ذلك قفزت نحو الحرية، كان الأمر فظيعًا ولا يجب على أي إنسان أن يمر بمثل هذا الهراء لمجرد أن البعض يعتقد حرفياً أنه يعرف كيف يفسر الكتاب الإلهي بشكل احتكاري دون غيرهم. »
— مُتَرجَم عن كتاب ” الهروب من طائفة: رحلتي نحو الحرية“، لچون د. سبينكس