« ما هو الـ"نوس" (nous) البشريّ؟ إنَّ همَّ الكنيسة الأرثوذكسيَّة الرئيسي هو شفاءُ النفس البشريَّة. لطالما اعتبرَت الكنيسة أنَّ النفسَ هي الجزء البشريُّ الذي يحتاج إلى الشفاء، لأنَّها عرفَتْ من التقليد العبريّ ومن المسيح نفسه والرسل، أنَّ في منطقة القلب يعمل شيءٌ أَطلقَ الآباء عليه تسمية "نوس". بكلامٍ آخر، أخذ الآباء التعبيرَ التقليديَّ "نوس"، الذي يعني كلاًّ من الذهن (dianoia) والكلام أو العقل (logos)، وأعطوه معنًى مختلفًا. لقد استخدموا لفظة "نوس" للإشارة إلى تلك الطاقة النوسيَّة التي تعمل في قلب كلّ إنسانٍ معافىً روحيًّا... بعض الآباء استخدم الكلمة نفسها "نوس" للإشارة إلى العقل، وللإشارة أيضًا إلى هذه الطاقة النوسيَّة التي تنحدر إلى منطقة القلب وتعمل فيها. إذًا، من هذا المنظور، النشاط النوسيُّ نشاطٌ ضروريٌّ للنفس. هو يعمل في الدماغ بِصفَته العقل؛ ويعمل في الوقت عينه في القلب بِصفَته النوس. بكلامٍ آخر، إنَّ النوس الذي هو العضو ذاته، يُصلّي في القلب بلا انقطاع، ويُفكّر في الدماغ في الوقت عينه...
الجميع مرضى عقليًّا بحسب المعنى الآبائيّ للمرض العقليّ. ليس عليكم أن تكونوا مصابين بالفُصام لكي تكونوا مرضى عقليًّا. من وجهة النظر الآبائيّة، يكون الناس مرضى عقليًّا حين لا تعمل الطاقة النوسيّة التي في داخلهم على نحوٍ سليم. بكلامٍ آخر، أن تكونوا مرضى عقليًّا يعني أنّ نوسكم مليءٌ بالأفكار، لا بالأفكار السيّئة فحسب، بل بالأفكار الحسَنة أيضًا. كلّ مَن لديه أفكارٌ في قلبه، أكانت حسنةً أم سيّئة، هو مريضٌ عقليًّا من وجهة النظر الآبائيّة. لا يهمّ إذا كانت هذه الأفكار أخلاقيّة، أو أخلاقيّةً جدًّا، أو غير أخلاقيّة، أو غير ذلك. بحسب آباء الكنيسة، كلُّ مَن لم تتطهّر نفسه من الأهواء بعد، ولم يبلغ حالة الاستنارة بواسطة نعمة الروح القدس، هو مريضٌ عقليًّا، لكن ليس بمفهوم الطبّ النفسيّ. فبالنسبة إلى الطبيب النفسيّ، المرض العقليّ أمرٌ آخر. هو يعني الإصابة بالذهان أو الفُصام. أمَّا بالنسبة إلى الأرثوذكسيّة، فإذا لم تتطهّروا من الأهواء وتبلغوا حالةً من الاستنارة، أتكونون طبيعيّين أم غير طبيعيّين؟ هذا هو السؤال...
بالنسبة لغير الأرثوذكسيين، ليس الإنسان الذي يتغيّر، بل الله هو الذي يتغيّر!... ما يفعله [الإنسان] هو أنّه يصير فتًى "صالحًا". وعندما يصبح الفتى "الشرّير" فتًى "صالحًا"، يحبّه الله؛ وإلاّ سوف يُعرِض عنه. إذا بقيَ الإنسان فتًى "شرّيرًا" أو صار كذلك، فالله لن يحبّه حينئذٍ! بتعبيرٍ آخر، إذا صار الإنسان فتًى "صالحًا"، فالله سيتغيّر حينئذٍ ويصير صالحًا. وبينما لم يكن يحبّه في السابق، هو الآن يحبّه! عندما يصبح الإنسان فتًى "شرّيرًا"، يغضب الله. وعندما يصبح الإنسان فتًى "صالحًا"، فهذا يجعل الله سعيدًا... لقد غرقت المسيحية [لدَى البعض] إلى حدّ تحوّلها إلى "ديانةٍ" لإلهٍ مزاجيّ! عندما يكون الإنسان "صالحًا"، يحبّه الله؛ أمّا عندما يكون "شرّيرًا"، فلا يحبّه الله؛ أي إنّ الله يُقاصِص ويُكافِئ... [أما الأرثوذكسية فهى] تقليدٌ يتكلّم على النفس، وعلى الطاقة النوسيّة للنفس، وعلى مسارِ علاجٍ شفائيّ معيَّن... إذا طُبّقَ هذا المسار الشفائيّ في المجتمع البشريّ، سيعود بالمنفعة الكبيرة على صحّة الفرد والمجتمع كلّه »
— اللاهوتي الأرثوذكسي الأب يوحنا رومانيدس، مقتطفات من الفصول الثلاثة الأولى لكتاب ”اللاهوت الآبائي، المحاضرات الجامعيّة“، ترجمة الخوريّة جولي عطيّة عيسى