رؤية ‏انثروبولوجية ‏للدين


على مدار تاريخ طويل للبشرية، الدين اتطور من صورته الأوليّة بالعبودية لإله مخيف مُرهِب، لصورة العلاقة البنوية لإله أبوي، وتطور نوعية العلاقة ديه سمح بمساحة أكبر للبشرية من الحرية للتخلص من الصورة الوحشية للإله اللي لازم يتم استرضاؤه وتجنب أذاه بالتقدمات والذبائح والفروض. الدين كان احتياج بشري أكتر من كونه تطور عفوي للجماعات المختلفة، والتطور ده مجاش عفوي بدوره، لكنه كان صراع داخلي في الإنسان، رحلة للداخل، للصميم الإنساني، رحلة تَبَصُّر.

النظم الأخلاقية الحديثة هى الوريث الشرعي للأديان، البديل المودرن للتصورات البشرية الطفولية اللي اتوجدت في أديان كتير عشان تغلف نظمها الأخلاقية (غير المفصولة عن النظم السياسية في العصور العتيقة) وتديها قداسة فوق النقد. الأديان كانت حلقة مهمة جدًا في تطور الوعى البشري الخُلُقي لإنها كانت دِرع مجموعة القيم الأخلاقية اللي مقدرش الوعى الجمعي يبرر أخلاقيتها لطفولة منطقه في الأزمان القديمة، فكان لازم يوجدلها حصانة من النقد والرفض حتى ولو بترهيب وترغيب.

الكون المادي كان على الدوام بيهزم الإنسان، بيأكد له محدوديته، عجزه، نهايته المحتومة، بيردد له رسالة إنه لا شئء مجرد كيان بيوكيميائي مصيره الموت والفساد والتحلل، الإحساس المتوارث بالعدمية ده أوجد في البشرية بدون قصد تَطَلُّع لكيان أعلى، التَطَلُّع ده كان صرخة البشرية المتألمة لطلب طوق نجاة من المادية في مسعى نحو وجود أعلى وجود منتصر على هزيمة الإنسان المحتومة، ومن هنا وجد الدين أرضية خصبة عند البشر للنمو.

الإنسان خدع نفسه لما حاول يقنع نفسه إنه يقدر يمنطق الدين، الخدعة ديه رغم إنها "خدعة“ ولكنها كانت احتياج أكتر منها رفاهية، احتياج لهدف قيّم عند الإنسان، وده حوِّل الخدعة عنده من فعل خديعة مكروه، لفعل مطلوب ومطوَّب، وهنا تم اعادة تعريف مفهوم الخدعة نفسه من البشر حسب نتيجتها وغايتها، وكان لأول مرة البشر يعرفوا التضاد المنطقي عمليًا بفعل الخطأ لبلوغ الصواب، بإنهم يعايشوا كيان أوجدوه يجمع الخطأ والصواب في نفس الوقت، كان شجرتهم الخاصة لإدراك الخير والشر وهى ذاتها شجرتهم الخاصة للحياة والخلاص من التحلل والهلاك، معرفتهم للتضاد المؤدي للوجود ده كان معرفة لإزاى عمليًا الوسيلة تناقض الغاية في المازورة الخُلُقية وتتعايش معاها وجوديًا الزاميًا. ولكن ظَل الشبح المستمر المؤرق للبشر: إن الدين لا يمكن منطقته لكن يمكن ”محاولة“ تبريره منطقيًا. 

على التوازي في المساعي الإنسانية ديه لبلوغ غلاف قيمي خُلُقي، نقدر نتخيّل ولو تبسيطًا مساعي إلهية موازية لاختراق المادية الإنسانية بكل فسادها وجشعها وطمعها وميلها للذاتية والانفصال، وكان الدين هو اللي ممكن نتخيله كحصان طروادة للإله يخترق منه الكيان الإنساني المنغلق على ذاته ده. الكيان الإلهي -بفرض وجوده اليقيني- أعاد استخدام الأدوات المتاحة في التطور البشري وتطور الفكر الجمعي، أعاد استخدام الدين وأعاد تعريفه وتكييفه! ولأن الدين نشأ بمفردات ومفاهيم ترهيبية ترغيبية، اخترق الإله نفس المنظومة، تسلل فيها، وسعَى تدريجيًا لتغييرها، وقلبها رأسًا على عقب.

مسعَى البشر للدين ومسعَى الإله لتطعيم العلاقة في الوجود الإنساني نشأوا سوا حنطة وزوان في نفس الأرض الخصبة، كانوا محتاجين لبعض احتياج وجودي لاستمرارية كل منهم، كانوا في احتياج تعاضدي سقوط الواحد يسقط الآخر، وبرغم السينيرجيا ما بينهم لكنهم كانوا أقصى الطرفين بُعدًا، نقيضين في ذاتهم ولكن وجودهم سوا الزامي لوجود كل منهم، العلاقة احتاجت الدين عشان توجد وتستمر برغم انها رفضت أدواته ووسائله، والدين احتاج العلاقة عشان يوجد ويستمر  برغم انه رفض أدواتها ووسائلها...

واستمر التواجد القطبي في تنازع كل طرف بيحاول يبتلع التاني في ثنائية ظلمة ونور بيتصارعوا سوا في التواجد رغم تلازم الضوء مع الظل في وجود موجودات يسقط عليها، الاتنين راهنوا على الوعى البشري ونموه وتطوره، الدين كان غالب في مراحل نمو وعى الانسان البدائية وكان ليه السلطة واليد العليا، ولكن بنمو الوعى البشري ابتدت مرحلة انتصار العلاقة على الدين، ابتدا الحد الفاصل يظهر ويتضح، وابتدا الصراع العلني، أرض معركته كانت الإنسان نفسه، وابتدت فصيلة من الزروع تطغي على التانية في الأرض المشتركة  ومازال الرهان مستمر على الوعى البشري من كل منهم ومازال الصراع مستمر... في الإنسان... 

أحدث أقدم