[من رسالة كالفن، إلى فرنسيس الأول ملك فرنسا، مدافعًا عن تمسكه بالتقليد الآبائي، في مواجهة مخالفة السلطة الكنسية للتقليد]
« إنَّهم [السلطة الكنسية] بغيًا [ظُلمًا] يُنصِّبون آباء الكنيسة أضدادًا لنا -أقصد كُتّابَ الكنيسة الأوائل من الزمن الأفضل- وكأنَّ لهم فيهم سندًا لفجورهم. لو أنّ المواجهة تحسمها سلطة الآباء لَنَحَتْ [مالت] رياحُ الغلبة نحونا، أقولها بكل تواضع. لا شك أنَّ هؤلاء الآباء كتبوا أشياء حكيمة ورائعة كثيرة، لكن ما يصيب البشر أصابهم أيضًا في بعض الأحيان. إنَّ أولادهم، أدعياء التقوى هؤلاء -بكل حدّة حذاقتهم وحصافتهم وهمّتهم- يعبدون أخطاء الآباء وغلطاتهم فقط، بينما الأشياء الجيّدة التي كتبها هؤلاء الآباء إمّا أنَّهم لا يلاحظونها، أو أنَّهم يشوّهونها ويحوّرونها. بإمكانك القول إنَّ همّهم الوحيد هو أن يجمعوا الرّوث من بين الذهب، ثمّ -بهيصة مخيفة- يستغلبوننا كمحتقِرين وأخصامٍ للآباء.
نحن لا نحتقر الآباء. في الواقع، لو ناسب هذا غرضَنا الحالي [في الرسالة]، أستطيع بلا عناء أن أقيم الدليل على أنَّ الجزء الأكبر ممّا نقوله يحظى بموافقتهم [أى متفقًا مع التعليم الآبائي]. مع ذلك فنحن مُتضلّعون من كتاباتهم بما يكفي لنتذكّر دائمًا أنَّ كل الأشياء لنا (1كو 3: 21 - 22) لتخدمنا، لا لتتسلّط علينا (لو 22: 24 - 25)؛ وبأنَّنا جميعًا ننتمي إلى المسيح الواحد (قارن 1كو3: 23)، الذي ينبغي أن نطيعه في كل شيء بدون استثناء (كو 3: 20). مَن لا يراعِ هذا التمييز لن يدرك أمرًا يقينيًّا في الديانة، بالنظر إلى أنَّ هؤلاء الرجال القدّيسين جهلوا أشياء كثيرة، غالبًا ما اختلفوا فيما بينهم، وأحيانًا ناقضوا أنفسهم بأنفسهم.
يقولون [رجال السلطة الكنسية]: ”حذّرَنا سليمان من تجاوز التخوم التي وضعها آباؤنا“ [ام 22: 28]...لكن إذا كان خصومنا يريدون الحفاظ على التخوم التي وضعها الآباء -بحسب فهمهم لها- فلماذا ينتهكونها عمدًا كلّما حلا لهم؟... هم يتعدّون هذه الحدود عندما يغتبطون في احتفالاتهم [في الطقوس] إلى هذه الدرجة بالذهب والفضة والعاج والرخام والحجارة الكريمة والحرير، ويظنّون أنَّ عبادة الله لا تستقيم ما لم يُغمَر كل شيء بِرَونقٍ زائفٍ أو بسَرَفٍ مسعور... لَكَم يزيحون التخوم بعيدًا عندما يملأون الكنائس والبيوتات بقداديسهم ليحضرها أيٌّ كان [من حُكّام وذوي سلطة ظالمين]، وبمقدار ما يدفع نقدًا [أو يساند سلطتهم]... بل يعرضون كلّ خدماتهم [الطقسية] للبيع... هم بدورهم غالوا في تخطّيهم تلك التخوم عندما فرضوا أصوامًا [كثيرة] بقوانين صارمة... وعندما ينصّبون عليهم وعلى غيرهم أسيادًا غير المسيح. فهم لا يلتزمون بهذه الحدود ولا يسمحون للآخرين بالحفاظ عليها. »
— جون كالفن، خطابه إلى فرنسيس الأول ملك فرنسا، ١٥٣٥م-١٥٣٦م، عن كتابه ”أسس الدين المسيحي، المجلد الأول“، طبعة ١ لعام ٢٠١٧، مُترجَم إلى العربية بواسطة القس أديب عوض، والقس وليد هرموش، والقس د. فيكتور مكاري، إصدار دار منهل الحياة بالاشتراك مع كليَّة اللاهوت للشرق الأدنى في بيروت