« الحقيقة المتعلّقة بالله ليست مأخوذةً من الفلسفة، بل من خبرة التألّه... مفاهيمنا حول الله تفقد قيمتها كلّها عندما نتأمّل مباشرةً في الله نفسه، ونعاين ذلك الواقع الذي ليس سوى الله نفسه. إذًا، إنّ مفاهيمنا حول الله تُستخدم فقط كوسيلةٍ لمساعدة الآخرين على رؤيته.
عندما يُعاين الإنسان الله، يتوارى الإيمان والرجاء، ووحدها تبقى المحبّة... عندما تعاينون الله الذي هو محبّة، يوضع جانبًا الإيمان بالله وجميع المفاهيم المتعلّقة بالإيمان، وأيضًا الرجاء بالله والمفاهيم المتعلّقة بالرجاء. تُستَبعَد المفاهيم لأنّها تُستبدَلُ بمعاينة المحبوب نفسه. خلال اختبار التألّه أو التمجيد، هذه المحبّة تكون معاينة الله. حينئذٍ يتمجّد الإنسان؛ يعاين المسيح في مجده، ويشترك في مجده. يختبر الاشتراك في الله.
إنّ الناس يَصِفون عادةً أخاهم الإنسان استنادًا إلى الانطباع الذي سبقَ أن كوّنوه عنه. أمّا عندما يحدّق الإنسان مباشرةً إلى المسيح خلال اختبارٍ للتألّه، والذي فيه يكشف المسيح له نفسه في مجده الإلهيّ-الإنسانيّ، فلا يستطيع الإنسان أن يُبقي في عقله أيَّ مفهومٍ بشريّ أو رأيٍ سابقٍ كان قد كوّنه عن المسيح، إذ لا شيء في الخليقة المادّيّة وغير المادّيّة، باستثناء الجسد البشريّ للمسيح، يُشبه الحقيقة غير المخلوقة للمسيح الممجَّد ومجدَه اللذين يشاهدهما الآن. فيقبل الإنسان المسيح كما يراه. لا يستطيع أن يصفه. لا يستطيع أن يتكلّم بموضوعيّةٍ عنه لأنّ الكلمات البشريّة تعجز عن وصف حقيقة المسيح غير المخلوقة أو طبيعته الإلهيّة. والحال كهذه لأنّ لا تشابه بين المخلوق وغير المخلوق...
ولا يرتبط اختبار التألّه مطلقًا بأيّ شكلٍ من أشكال العرفان [معرفة ناتجة عن القبول العقلي]، التألّه ليس عرفانًا هو ليس أمرًا تختبره الملَكة العقليّة البشريّة وحدها. فالإنسان يشارك بكلّيّته في اختبار التألّه. ويشارك الجسد بحواسّه كلّها، في نظام عملها الطبيعيّ. عندما يعاين أحدُهم المسيحَ في مجده، يكون هذا الشخص يَقظًا بالكليّة. هو لا يرى أمرًا ما في ذهنه، بل يرى بجسده أيضًا....
خلال مدّة اختبار التمجيد أو التألّه هذا، لا يفقد جسد الإنسان التواصل بمحيطه؛ ولكنّ الأمر يقتضي أن يكون الإنسان قد اعتاد معاينة مجد الله، بسبب عيشه خبراتٍ مشابهةٍ من قبل. يكون الإنسان مرتبكًا في البداية فقط، عندما يختبر التألّه للمرّة الأولى. قد يعمى أيضًا مؤقتًا من جرّاء قوّة إشعاع النور غير المخلوق، ولكنّه لا يفقد ملكاته الفكريّة. يعمل عقله على نحوٍ طبيعيّ. يمكنه التفكير مثل أيّ شخصٍ آخر، ولكنّ إدراكاته الحسيّة قد تتعطّل لأنّه ليس معتادًا بعد على النور غير المخلوق... في الواقع، هذا النور ليس حتّى النور كما نفهمه ونعرفه. لمَ لا؟ لأنّ النور غير المخلوق يفوق النور. »
— اللاهوتي الأرثوذكسي الأب يوحنا رومانيدس، مقتطفات من الفصل ١٩ لكتاب ”اللاهوت الآبائي، المحاضرات الجامعيّة“، ترجمة الخوريّة جولي عطيّة عيسى