في البوست ده وأكتر من بوست جايين، لو عشت وكان لىّ عمر وكان فىّ طاقة للتوضيح، هحاول أبسط علم الفينومينولوجيا الفلسفي بشكل سلس وعامي، وهتجنب أى تعقيدات اصطلاحية إلا عند الضرورة، وكالعادة كل تبسيط هو إخلال بالصورة الكاملة وجرح وتشويه لِها، فاعتبره مقدمة مُختَزَلة مشوِّهة للأصل عشان تقدر تقرا في الموضوع بشكل أدق وأسهل وقت ما تحب من كتب فلاسفة أكثر أكاديمية...
لقرون طويلة، كان الطاغي هو الفلسفة اللي بلورها رينيه ديكارت وجون لوك وتوماس هوبز (تبسيط مُخِلْ مقصود)، وديه اللي صارت طاغية على ثقافتنا إراديًا ولا إراديًا دلوقتي، ومفادها إن كل الوعى اللي لِنا وكل اللي نقدر نتلامس معاه هو في الحقيقة نتاج علاقات أنشأت تصوراتنا الداخلية عن الأشياء، بمعنى إن لِنا عوالمنا الخاصة اللي أنشأناها من أفعال وعيينا ومن تجاربنا الخاصة، ومن خلال عوالمنا الخاصة ديه بنشوف ونحلل ونفهم كل شيء حوالينا...
بمعني إننا لما بنحب نكوِّن وعى عن أى كيان، بنخلق عنه إما تصوُّر تجريدي concept، أو انطباع impression، أو بنولِّد عنه فكرة، وأحيانًا بناخد خطوة زيادة ونكون hypothesis فوق المدخلات الأولية لتصوراتنا وبنحتفظ في وعينا بالصورة اللي كوِّناها ديه، بنحتفظ بالإسقاط (الـprojection) مش الأصل، ولما الوعى بعد كده يحاول يحلل أى قضية بيعيد استرجاع التصوُّر ده ويجتره ويحلله، ومبيتعاملش مع الأصل اللي نتج عنه التصوُّر ده في تحليل منطقي بعد كده...
اللي كسر الدايرة ديه كان ايدموند هوسرل (متقلقوش مش هتكون حصة تاريخ!)، وده لإن المشكلة اللي اتوجدت في مفهوم الوعىّ سابق التوضيح هو إنه بيخلق في الكيان الواعي (الإنسان) عالم ذهني خاص داخلي Intra-mental World، عالم بيحتوي على كل الأفكار والانطباعات في الوعىّ اللي نتجت عن التصورات اللي اتكونت...
والتصورات ديه بدورها للشخص الواعي بتكون لِها نسخ مختلفة حسب تطوُّر الـ concepts اللي أنشئ في الوعىّ، كذا version وبتطوَّر للشخص الواحد وتتشكل مع كل تجربة جديدة (برغم ثبات الشئ اللي بيتم تصوُّره)، ومبيكونش للواعي بعد عملية التكوين لأى نسخة مستقرة أى تلامس وتواصل في عملية اجترار المدركات في وعيه مع الأشياء الأصلية فيما بعد، ولكن بيكون محبوس وأسير آخر نسخة لوعيه الخاص، وأسير الاسقاطات الشخصانية اللي كونها عن الأشياء (Subjective Projection)، اللي مجرد تغيُّرها التنقيحي المستمر -بنسخ مختلفة- عن ما تم الإسقاط عنه دلالة مباشرة على مجانبتها للصواب في التصوير الذهني...
المشكلة كمان في كده، إن بيتخلق أزمة بالانغلاق والتمحور حوالين الذات (Egocentric Predicament) ، لإن ببساطة تعالوا نتخيَّل فيه اتنين بيتناقشوا عاوزين يوصلوا لحقيقة ماهية شئ، كل طرف فيهم هيكون وعيه بيطرح نواتج الـ Intra-mental World بتاعه، كل واحد هيكون بيشير لعالمه الخاص الداخلي، وبيوصفه وصف دقيق زىّ ما كوِّنه في نسيج وعيه الخاص، ولما هيجي الاتنين يناقشوا أى شئ هيكونوا بيتكلموا عن الـ projection اللي عملوه عن الشئ ده في وعيهم مش عن الشئ نفسه، وساعتها مفيش أى إمكانية لطرح أدلة evidence لإن الأدلة هتكون مستقاة وناتجة عن العوالم الداخلية للتصورات، لإن مفيش حقيقة وأرضية مشتركة مبحوثة ولا فيه منطق يُتبَّع لِها...
في التصوُّر الفلسفي الديكارتي اللوكي الهوبزي ده، منقدرش نبني بشكل تراكمي أى فروع فلسفات أخرى زىّ تفريع فلسفة الأخلاق مثلًا، لإن ببساطة مش ممكن بعوالم منفصلة نحدد المفروض نعمل إيه، لإن ببساطة كل واحد بيشرح تصوراته من تجاربه ومكونات وعيه، مش بيتلامس خلاص مع الأشياء في صورتها الأصلية قبل ما يحصلها معالجة داخلية (internal processing)، وده كافي إنه يهدم أى مسعَى للبحث عن حقايق الماهيات، لإن التواصل المباشر مع الماهيات فُقِد خلاص بمجرد تكوين تصورات الوعى...
هوسرل على النقيض قدم أطروحته الفلسفية التصويبية بشكل مختلف، بإنه ابتدا يعيد تعريف وسائل تكوين الوعى بإعادة تقنين العلاقات مع الكيانات الخارجية، فعند هوسرل، الوعى بيتكون بعلاقات دايمة ومستمرة ومتصلة على الدوام بالكيانات الخارجية، بالآخر (الآخر بالمقارنة بالوعى)، ومفيش أى مسعَى سليم ممكن يتوجد إلا لو استمرت ديمومة الاتصال بالآخر ده، سواء كان أشياء أو أشخاص أو حتى جسد الشخص حامل الوعى (أو اللي الوعى متصل بِه وده خلاف فلسفي تاني منفصل مش هتطرق له عشان مشتتكش)...
الطرح التصويبي ده هو جزء من فلسفة الفينومينولوجيا اللي طرحها هوسرل، واللي بناها كلها على الـ intention (الترجمة العربية الحرفية ”نيّة“ معثرة فكريًا، فهتجنبها)، الـ intention هنا هى أى علاقة بتتكون من فعل واعي أو تجربة مع كيان مغاير للواعى، مع آخر، وهنا الـ intention بعكس الاصطلاح اللغوي كنية لفعل شئء تقدر تتخيله كنية للمعرفة، نيّة المعرفة ديه بتوجَّه لآخر، ولازم تظل متصلة بِه وغير منفصلة عنه...
مجرد خلق الـ projection هو فقدان للحقيقة وفقدان لإمكانية خلق سُبُل للمنطق في مسعاه في اتجاهها، فلازم الواعي يتلامس مع الـ Extra-mental World (العالم خارج الذهن) عشان نقدر نكون وعىّ يقدر يتواصل مع وعىّ الآخر بشكل صحيح، بدل من خلافات بين models داخلية مختلفة، المباحث لازم تكون على موجودات خارجية مشتركة، موجودات ما قبل المعالجة الخاصة (preprocessing)، وده اللي هشرحه في بقية البوستس...
يُتبَع...