تبسيط الفينومينولوجيا (٢)


زىّ ما وضحت في المقال السابق، الفينومينولوجيا اتبلورت بدافع تحرير العقل من ورطة انغلاقه على ذاته (الـ Intramental World) واعتبار projection العقل للـ models عن الكيانات الموصوفة، هى الكيانات ذاتها، وده كان بيحصر العقل في الـ Egocentric Predicament، بخلاف التوجه الديكارتي اللوكي في توصيف الوعى، لكن ده مكنش أهم انجازات الفينومينولوجيا فقط، الفينومينولوجيا بتخلّي الذهن/العقل public (عامي/خارجي) لإنها بتجبره في التحليل يخرج برة حدود الـ models اللي كونها في تحليله للكينونات، لإنها بتعتبر كل شئ يوجد في حقيقته خارجه، مش داخليًا في المُتَلَقي، وإن انحصار المُتَلَقِي داخله في التحليل هو سبب أغلب إن مكنش كل المشاكل الفلسفية.

النقلة ديه بتخلق correlation (علاقة ارتباطية) بين الذهن والعالم الخارجي لإنها مش بس بتجبر الذهن يخرج ويُستَعلن للخارج، لكنها كمان بتعتبر الكيانات الموجودة موجودة لإنها مُستَعلَنة خارجيًا بدورها، تبادل الوجود والإدراك هنا عملية من الخروج من الذات للآخر، سواء من المُعلِن عن ذاته أو من اللي بيستقبل الإعلان ده، في علاقة طرفية تبادلية انكشافية من الاتنين، من غير العلاقة الاستعلانية من الاتنين دول لو طرف انغلق على ذاته يفقد وجوده لدى الآخر، وفقدان وجود طرف للآخر بدوره فقدان للآخر (لإن ملهوش بدوره ما يُستَعلَن له، الوجود علاقي، فقدان العلاقة الفعّالة المستمرة فقدان لاستمرارية الوجود)

هنا الأذهان في الفينومينولوجيا بتتحوِّل من خالق لتصوّر الحقائق كما هى، لمجرد وسيط (agent) لاستعلان الحقائق كما هى، وسيط بينقل الاستعلانات للآخر، من ذهن لذهن، من وعى لوعى، في عملية كشفية لحقائق الكيانات المستعلنة اللي الذهن بيمنطقها كما هى مش من خلال أى concept أو model أو projection، الوعى بيننقل من حالة التصوير وبناء الأحكام الداخلية، لحالة المُتَلقِي المُصنِّف حسب نوعية الأشياء المبحوثة، والتصنيف ده بيسمح للوعى بسهولة إنه يميّز بين الأصل والصورة، بين الشئء كما هو عليه وبين الـ maquette اللي بنخلقه عنه.

مثلًا للتبسيط، واحدة من أشهر مشاكل مجتمعنا الحالي المتفق مع الفكر الديكارتي اللوكي (بدون عمد طبعًا)، هو الخلط بين الصورة والأصل، كمثال، في أذهاننا كمجتمع شرقي إهانة الرموز المقدسة هى إهانة للدين، مثلًا إهانة كتاب ديانة معينة، أو إهانة رمز ديانة أخرى، في أذهاننا ده يوازي إهانة الدين نفسه، ليه؟ لإننا كوننا نظرتنا الأولية لو كنّا مسلمين (مثلًا) إن القرآن الكريم (مثلًا) ككتاب ورقي بين دفتي غلافيه هو نفسه اللوح المحفوظ الأعلى، فاعتبار إهانة الكتاب الورقي المطبوعة حروفه (كصورة) هى إهانة للوح المحفوظ (كأصل بحسب المعتقد)، وعند المسيحيين نفس الشئ في مجتمعنا لدرجة إن البعض من الأقباط ”بيستحرم“ يرمي أوراق النتيجة الورقية لإن بيطبع على كل ورقة يومية منها أعداد/آيات كتابية، وبيفَضّلوا يحرقوها، لمنع إهانة الكلمة الإلهية (كأصل بحسب المعتقد) من خلال إهانة الحروف المطبوعة (الصورة اللي خالطينها بالأصل)، ده لإن الذهن اتربى على منطقية بتعتبر الصور المكوَّنة والأصول واحد فبيسجِّل الاتنين في الوعى كأصول مش كصور وأصول، الحد الفاصل بينهم بيتنفَى، سواء الصور كانت مكوَّنة في الوعى أو على أى وسيط مادي.

الفينومينولوجيا كلمة اغريقية من جزئين فينومينون (الظواهر) ولوغوس (الكلمة الموروثة مسيحيًا عن الاغريق، بمختلف تطور استخداماتها اغريقيًا ومسيحيًا)، بمعنَى إن الفينومينولوجيا بتحاول تعطي لوغوس للظواهر، ده بيخلق عمدًا حد فاصل بين الصور والأصول، بين الذكريات والمعايشات، بين التخيلات والحقائق، بين الأشكال الـ abstract الهندسية والمنشآت المبنية بالأشكال ديه (كمثال الفرق بين المربع كمربع عياري والمربع كرسمة على ورقة)، لو اعتمدنا على تصورات الذهن الداخلية مثلًا عن تخزين الوعى عن صورة المربع المرسوم على ورق هو مربع، والمربع كتوصيف abstract مربع، المنطق الديكارتي اللوكي هيخزِّن الاتنين كـ abstract model مربع وده بيسبب مشاكل تحليلية كتير لما بيُعاد اجترار المُخَزَّن في أى تحليل منطقي، قس على ده الأعداد والأحرف كـ symbols... إلخ

في الفينومينولوجيا الظهور/الاستعلان هو جزء من الكينونة مش مجرد توصيف لِها، الأشياء بتظهر/تستعلن كما هى، والأشياء توجد بحسب استعلانها، لو انفصل الاستعلان يتنفي الوجود ولو اتفصل الوجود يتنفي الاستعلان، علشان كده دراسة الكينونة غير مفصولة في الفينومينولوجيا عن دراسة الاستعلان/الظهور، الانطولوجي مش مفصول عن الفينومينولوجي بالعكس الترابط بينهم اشتراطي، الاستعلان/الظهور مش مجرد ترجمة ذهنية للواقع اللي عليه الأشياء في أذهاننا، لا الاستعلان هو ما الشئ عليه بكينونته، ومنقدرش نفصل الظاهر من الشيء عن حقيقته

كمثال من أشهر أخطاء النظرية العلمية القديمة عن الفوتون: خلق تَصَوُّر له على انه كُوَر مادية (زىّ بتاعة البينح بونج بس أصغر بكتير جدًا) التصور ده خلّىَ بعد كده مشاكل في التحليل العملي لما لقوا الفوتون حسب حالة المشاهدة بيتصرف أحيانًا كـ matter وأحيان أخرى كـ energy، الـ model التصوُّري الذهني كان غلط، فاللي اتبنَى عليه بقَى غلط بدوره، وبدراسة الـ phenomena كما هى اتعارضت مع الـ model الذهني، الأدق -بحسب الفينومينولوجيا- يُدرس الشئ بحسب استعلانه (زىّ مثلًا تجربة الشق المزدوج ونتائجها، ابحث عنها) لإننا منقدرش نفصل ما الشئ عليه عن مشاهدتنا له، ولا نفصل استعلانه وكشفه عن ما هو عليه عن كينونته اللي هو عليها فعلًا.

الفينومينولوجيا هى محاولة استعادة لكيانات الوجود بحسب ما هى عليه وبحسب ما بتعلن عن ذواتها خارجيًا، مش بحسب تصوراتنا عنها وبحسب العالم الذهني الداخلي المنفصل عن الواقع، الفينومينولوجيا هى استعادة للواقع وخروج من سجن التخيُّلات الذهنية، خروج من السايكولوجي للانطولوجي، في محاولة استعادة دقة الوعى بالموجودات من دون وسائط projection وبدون أى maquette أو abstraction أو فصل عن الخارجي، مع تحرير الوعى من السجن الداخلي وخلق publicness of mind (خروج العقل للمشاع/العام) عشان يقدر يتعامل مع publicness of phenomena (اعلان الظواهر عن نفسها في كشف مشاعي/عام)، الفينومينولوجيا هى استعادة للأصل اللي فُقِد لما تم استبداله في الوعى بالصورة ومع الوقت صارت الصورة هى مبحث التحليل مش الأصل، خروج من الحيّز الـ theoretical التأملي للحيّز الـ practical الحسِّي في التلامس الادراكي الواعي مع كل آخر، بدون إغفال للجانب التأملي، ولكن بإدراك وتحديد دور التأمل الذهني ومكانته اللي تغوَّلت بالمنهج الديكارتي/اللوكي. ازاى؟ ده اللي هوضَّحه في بقية الأجزاء

يُتبَع...
أحدث أقدم