تبسيط الفينومينولوجيا (٣)


في الفينومينولوجيا فيه تفرقة مهمة جدًا بين الـpieces والـ moments، هتعمد مترجمهمش للعربي لإن الترجمة هتكون مُشتِتَة جدًا لإن معناهم فلسفيًا غير المعنَى الدارج لغويًا، قبل ما اشرح الفرق، هحتاج أشرحلكم النمط المعرفي اللي بيتبني على التجزئة، المعرفة المبنية على التجزئة ببساطة بتمسك الكيان اللي عاوزين نحلله، تقسمه لأجزاء وأبعاد وصفات، وتحلل الأجزاء ديه معرفيًا واحدة واحدة، فتنتقل من الجزئيات للكيان المُجمِّع للكل، في عملية bottom up.

الـpieces هى كل جزء في المعرفة التجزيئية، اللي ممكن يتدرس منفصل عن الكل المدروس، اللي ممكن تشده من الكيان تخرجه برة تدرسه وبعدها ترجعه تاني للكل وتشوفه بيؤدي وظيفته في الكل، كمثال مثلًا لو الكيان الكلي اللي بتدرسه هو سيارة وعايز تحلل كيفية وماهية حركتها، فأنت ممكن تفصل المحرك (الـ engine) خارجها تدرسه وتحلل كيفية عمله وبعدها ترجعه تاني للكل وتشوف دوره في المنظومة الأكبر اللي بتحدد كيفية وماهية قيام السيارة بدورها. عشان كده الـ pieces بتعتبر ”أجزاء مستقلة“، قادرة على الوجود حتى بانعدام وجود كُلِّياتها

على النقيض، الـ moments هى الأجزاء اللي متقدرش توجد منفصلة ومنعزلة عن كليَّاتها، متقدرش تفصلها عن الكيان اللي بتكوِّنه، ميبقلهاش وجود في ذاتها، لإنها أجزاء غير مستقلة الوجود. كمثال الألوان، الألوان مستحيل تتوجد بدون ما يتوجد الكيان الحامل لوجودها، أى جماد لونه أحمر مثلًا، كرة، قلم، قطعة ليجو بلاستيكية، متقدرش تفصل اللون الأحمر عن كيان يكون فيه، علشان كده من الأطروحات الفلسفية اللطيفة، هى الدعوة مثلًا لتحدي تخيُّل لون غير موجود في عالمك، بالبلدي حاول تتخيّل لون  مشفتهوش قبل كده، واوصفه، مستحيل هتقدر توصف لون مش موجود أو حتى تتخيِّل وجوده، لازم يكون فيه كيان قائم حامل له، نفس الموضوع تقدر تطبقه على نغمة الصوت (الـ pitch)، مستحيل توجد pitch من غير وجود الصوت ذاته، كيانه اعتمادي على حامله.

يعني الخلاصة الـ moments كأجزاء غير ممكن تتحول من جزئيات لكليات قابلة للتحليل منفصلة، في حين إن الـpieces كأجزاء ممكن تتحول من جزئيات لكليات قابلة للتحليل منفصلة. الشئ القابل للوجود بذاته ووجوده مستقل غير اعتمادي هو اللي بيُسمى concretum (اللي منه الكلمة الانجليزية concrete)، في حين اللي غير قابل للوجود بذاته ووجوده غير مستقل اعتمادي بيُسمَّى abstructum (اللي منه الكلمة الإنجليزية abstract)

أمال ازاى المنهج الديكارتي واللوكي مواجهوش المشكلة ديه في تحليلاتهم ولا حسوا بالاختلاف، لدرجة انك حاليًا ممكن تدرس الألوان منفصلة وتخلقلها نظام تمثيل في الكمبيوتر زى الـ RGB وال hue، وتقدر تدرس الـ pitch وتحدد الـ frequency بتاعها كمان وتقدر تخزنها في تمثيل رقمي، ازاى قدرنا كورثة المنهج الديكارتي واللوكي  نفصل الـ abstructum ونحلله بمنتهَى الأريحية، الخدعة اللي بتشاور عليها الفينومينولوجيا في منهجهم موجودة في ”اللغة“، اللغة الإنسان استخدمها عشان يداري جهلياته ويشاور على مجهولاته ككيانات منفصلة (اربط ده بمُسمَّى الفلسفة القديم عند العرب بـ ”علم الكلام“، اللي بعد كده تم تخصيصه دينيًا كعلم منفصل مُضاف لأصول الفقه واتخصص توجهه دينيًا)

ممكن يبان استخدام اللغة كـ middle layer و proxy شئ كويس، لكنه في الحقيقة هو سبب معظم المشاكل، إن اللغة حولتلنا الـ abstructum لـ concretum، واتحولت المشكلة من دراسة علاقات الموجودات غير المستقلة، لدراسة كيان لا يمكن يوجد مستقل، ومنها لدراسة اللغة ذاتها وتحويل الفلسفة لخلافات لغوية، وبقت قدرتنا المعرفية مرتبطة ارتباط وثيق باللغة وقدرات اللغة (قارن مثلًا قوة الفلسفة الاغريقية اعتمادًا على لغتها، لو قارنَّها بسوء فهم اللاتين لها الناتج عن فوارق إمكانيات اللغتين)، وده أدى للرجوع للمربع صفر واتحوِّل التركيز من الكيانات لمحاولات الاتفاق على التعريفات اللغوية المختلفة بين الـ intramental models المختلفة لكل شخص! وده حول الفلسفة خلاها ”أدب“، لدرجة ان كتير حاليًا بيبصوا لأعمال الفلسفة إنها ”أدبيات“ أو على أقل تقدير بالنسبة لهم لا يمكن فصل الفلسفة عن الأدب!  يعني العقل خلق لنفسه مشكلة جديدة انه يحاول يـ abstract الـ concrete بمعزل عن الاعتماديات المتبادلة، فده نتج عنه شطط كبير ومهول وزيغان عن المبحث الأصلي لمباحث فرعية مكناش في حاجة لها لو مكناش فصلنا الـ moments كمبحوثات قائمة بذاتها..

 كمثال ده دخَّل افلاطون في نفق صعب من فصل الكيانات لأصول وتمثيلات، وكإن فيه عالم الـ forms المنفصل اللي فيه الأرقام موجودة بذاتها بمعزل عن أى معدودات، والأشكال الهندسية (النمربع، والمثلث، والدائرة ... إلخ) موجودة بذاتها بمعزل عن كيانات بتتصف بها، وبمعزل عن عالمنا التجسيدي لها اللي شافه كوهم بالمقارنة بعالم المُثُل اللي شافه كحقيقة، عالم فيه المثلث ورقم ٧ الحقيقيين بكمالهم مش بتمثيلهم المادي، عالم فيه التوصيفات قائمة بذاتها بمعزل عن موصوفاتها. وقس على ده مثلًا محاولات فلاسفة رجال الدين دراسة النفس/الروح بمعزل عن الكيان الإنساني اللي أنتجت تكهنات بعضها في شدة الغرابة لإنهم اعتبروها كيان قائم بذاته يمكن تحليله بمعزل عن الإنسان ككل، وابتدوا يتخانقوا على الـ intramental model الذهني بتاعهم خناقات على موجودات غير مستقلة (فهى بكده ”غير-موجودات“ مستقة) من نوعية هل للروح سبق وجود على الجسد، هل تتألم، هل هى خالدة، هل ممكن تنفصل عن الجسد، يكونش ده الموت ... الخ من المشاكل المُختَلَقَة نظريًا عبثيًا!

الفينومينولوجيا بتعتبر الذهن نفسه moment مش piece، بمعنى انه لا يمكن دراسة كيفية الادراك الذهني، بدراسة الذهن نفسه، بمعزل عن الاشياء اللي الذهن بيحللها، علشان كده أكد المنهج الفينومينولوجي زى ما قلت في الكام مقال السابقين إن لازم دراسة الوعى مينفصلش عن الكيانات اللي بيدرسها، الوعى هو ”وعى بشئ“، مش وعى قائم بذاته بدون أشياء خارجية، وفصله هو اللي فتح أزمة مشكلة المعرفة الابستمولوجية ومشكلة  الـ Egocentric Predicament (راجع الأجزاء السابقة)، قس على ده كمان فصل الذهن عن العقل كـ pieces في حين انهم moments في تحليل الوعى والادراك ككل (بس ده موضوع منفصل مش هتطرق له دلوقتي عشان مشتتكش)

موضوع الخلط بين الـ pieces والـ moments كان عائق للعلم لقرون، مثلًا في محاولة لفهم ازاى بتحصل الرؤية، لقرون كان الفلاسفة/العلماء فاصلين العين عن الكل في محاولتهم لفهم ماهية وكيفية الرؤية، لدرجة انهم حاولوا يحطوا Model ان العين بيطلع منها هى نفسها شعاع بتولِّده نحو الكيان المرئي بيخليها تشوف، وفضلت نظرية ورا التانية تدرس الرؤية فقط من خلال دراسة العين فقط، طبعًا حاليًا النظرية الأكثر قبولًا هى نظرية أكثر شمولية، مبتفصلش العين عن مصدر الضوء عن شعاع الضوء عن الجسم المنعكس عنه الضوء عن الوسط المادي اللي يسمح بانتقال الضوء بالانعكاس والانكسار الضوئي ولا عن القرنية والمجسات ودور العقل ... إلخ، النقلة من اعتبار العين piece في عملية الرؤية لـ moment فيها حصل نقل معرفتنا الفيزيائية نقلة نوعية، ولولاها كان هيظل الظن الخاطىء بالـ model الخاطئ عن الرؤية بيعيقنا عن خلق تطورات علمية عظيمة زىّ عمليات تصحيح البصر المختلفة كمثال وعلاج أمراض العيون. 

حتى خارج العلوم الفسيولوجية نفس السقطة (بحسب اعتبارها سقطة من الفينومينولوجيا) قام بيها كارل ماركس لما حب يحلل الإصلاح السوسيولوجي، فقسمه لأجزاء ومنها اقتص واختص الإصلاح الاقتصادى، وركز على الإصلاح الاقتصادي فقط بمعزل عن تأثيراته المتبادلة على سايكولوجية الشعب اللي في احتياج للامتلاك الخاص وللتنافسية، وبمعزل عن احتياج عملية التطور بدورها للتنافسية والتعددية للارتقاء بجودة المنتج، وبمعزل عن حالة المجتمع في عصره ومشاكله الطبقية، وبمعزل عن الجانب السياسي الخارجي والداخلي وتفاعله مع التغيير ده، وبمعزل عن النظام التعليمي الدارج وقتها...الخ. فالمشكلة اللي مسببتش نجاح الماركسية بحسب التحليل الفينومينولوجي هى ان الماركسية أنتجت نظام abstructum وظنت فيه انه concretum، لانها فصلت التحليل الاقتصادي عن التحليل السوسيولوجي الجامع وحللته واوجدت له حلول منطقية من غير ما تحطه في اطاره الكبير فلما رجع اتحط في الاطار الكلي كجزء متناسقش مع الكل والنظرية أدت لصراعات دموية انتهت باندثاره تطبيقيًا رغم ان ممكن ككيان منفصل يكون ده أفضل حل "اقتصادي"!

فالخلاصة إن الفينومينولوجيا بتقول إن معظم مشاكل التحليلات المعرفية والفلسفات السابقة لها مشاكل مُختَلَقَة لانها فصلت الاعتمادي اللي لا يمكن فصله وحللته بمعزل عن الكل المنفصل عنه، واعتبرته غير اعتمادي وقائم بذاته، في حين إن الأصح (بحسب الفينومينولوجيا) هو دراسة العلاقات وبنيويتها بدون خلق models جزئية الا لو كانت المجزئات ديه pieces، ولكن بسبب فقدان المعرفة باختلاف الـ pieces عن الـ moments أُنتِجَت محاولات توفيقية لغوية أدت لمشاكل أكتر من حلول وخلّت محاولة استعادة الجزء للكل غير ممكنة بشكل يتناسق مع الكل، وأدت لآلاف المشاكل من محاولة دراسة غير موجودات بذواتها... إيه الأطروحة البديلة للفينومينولوجيا؟ ده اللي هوضحه في بقية الأجزاء

يُتبع...
أحدث أقدم