[ عن الأفكار - الأب ثاديوس الفيتوفنيكي - ترجمة جزء 4 / 4 ]
الكثير من الناس، على هذه الأرض، يعتبرون أنفسهم ملحدين. ولكن حين نفكر بتمعن، سندرك أنه لا يوجد كائن عاقل على كوكب الأرض، لا يتوق للحياة الحقيقة والحب المطلق. الحب المطلق لا يتغير قط، ويدوم للأبد. إننا نتوق إلى الصلاح المطلق والسلام المطلق من كل قلوبنا. في الواقع إننا بهذا نتوق إلى الله! فالله هو الحياة، والله هو الحب، وهو السلام، والفرح. في قلوبنا نتوق إلى الله، ولكن في أفكارنا نعارضه ... فبالمثل الملحد، ليس بالحقيقة ملحداً، بل معارضاً لله. وهكذا نحن، نتوق إلى الله في قلوبنا، ونعارضه في أفكارنا ! معارضتنا لا يمكن أن تؤذي الله، لإنه كلىّ القدرة، ولكنها تقدر بالتأكيد أن تؤذينا. فأفكارنا وأمزجتنا ورغباتنا تحدد مسار حياتنا. أفكارنا تعكس كل حياتنا. إن كانت أفكارنا هادئة وسلامية وممتلئة بالحب واللطف والنقاء، حينئذ يكون لنا سلام، لأن الأفكار المسالمة تتيح وجود السلام الداخلي [فينا] الذي يشع منّا [على الآخرين]. ولكن إن غَذينا الأفكار السلبية، فإن سلامنا الداخلي يتهشم.
هذا ما يقوله الآباء القديسون عن الأفكار: "إن هاجمتنا الأفكار التي تنزع سلامنا، فاعلم إنها [قادمة] من الجحيم!". تلك الأفكار لا يجب أن يتم قبولها، بل يجب أن تُطْرَد فوراً. يجب أن نكافح من أجل مصلحتنا، ونسعى لأن يتجذر السلام في نفوسنا، السلام والفرح والحب الإلهي. فأبونا السماوي يريد أن يكون لكل أولاده: خصائصه الإلهية. يريدنا أن نكون ممتلئين بالحب والسلام والفرح والأمانة واللطف. يريدنا أن نكون قادرين على إراحة الآخرين. ونحن أيضاً نريد أن نكون ودعاء ومتواضعين، لإن من هو كذلك يشع صلاحاً ولطفاً. ومن مثل هذا لا يُهَان حتى وإن صرخوا ضده ،وكانوا معه عنفاء، يمكنك حتى أن تضربه، وكل ما سيفعله أنه سيشفق عليك: أنك تعذب نفسك بهذا ! هناك قليلون جداً مثل هذا على الأرض، ولكنهم هم السبب أن الشمس مازالت تدفئ كوكب الأرض، وهم السبب أن الله يرسل بركته على الأحياء ليكون لنا كل ما نحتاجه لنحيا ! الآن أنت ترى لماذا يجب أن تتغير أفكارنا !
لدينا ايمان قليل في الرب، وثقة قليلة فيه. لإننا إن كنا نثق في الرب، بقدرما نثق في صديق، حين نطلب منه أن يفعل شئ لأجلنا، لما كنا نعاني بهذا القدر، سواء أفراداً أو بلدنا بكاملها. إن الفوضى التي في أذهاننا وفي كل بلدنا تأتي من أفكارنا. نحن من نخلق "عدم التناغم" في أفكارنا ... نحن لا ندرك أن لنا الطاقة الإلهية فينا: "حياة إلهية". إن وحدة كل فرد مع الآخرين، حيث كلنا نمتلك تلك الطاقة [الإلهية]، تخلق قوة عظيمة يهرب منها العدو، لإنها "تناغم" !
تُزرَع الأفكار في أذهاننا كل الأوقات، من كل الجوانب والاتجاهات. لو اُعطيّ لنا أن نرى قطر [اتساع] تلك الأفكار، سنرى شبكة حقيقة من الأفكار. وكل إنسان لديه جهاز استقبال في ذهنه، جهاز أكثر دقة وتعقيد من أجهزة الراديو والتلفزيون! كم هو مذهل ذهن الانسان! ولكننا لا نُقَدِّر هذا! ولا نعرف كيف نوحد أنفسنا مع مصدر الحياة، ولا أن نشعر بالفرح! لأن العدو دائما ما يزرع بذاره في أذهاننا. القديس انطونيوس سُمِحّ له أن يرى شباك الأفكار حوله، وحين رآها تعجب قائلا: "يارب من يقدر أن يخلص ؟!" فسمع صوتا قائلا: "فقط من هو وديع ومتواضع القلب!". الأرواح الشريرة لا يمكن أن تمس الودعاء ومتواضعي القلب، لإنهم متحدين في سلام وصمت، وليس لهم أفكار سلبية ... هكذا يجب أن نعيش: متحكمين في أفكارنا. لا يجب أن نسكن في كل فكر يأتي إلينا، والا سنفقد سلامنا. إن تعلمنا أن نرفض تلك المقترحات: نصير هادئين. فلا نتخيل ونخلق أى صورة في ذهننا.
وحين يصلي الإنسان، يجب ألا يكون له أى أفكار، بل يخلي ذاته. فالآباء القديسون يقولون: "في الصلاة، تصرف وكأن لا يوجد أحد في الكون سواك والله!". حين نصلي، لا يجب أن ننشغل بأنفسنا، لإنه في تلك الحالة نصير منغمسين في احتياجاتنا الخاصة، فنصير لذواتنا ضارين صلاتنا ! فنشوش على صلاتنا ! ونصير عوائق ذواتنا ! كثيرا ما نظن ان الشرير في مكان ما بالخارج، ولكن إن لم يكن بالشرير الذي فينا، فلن يمسنا الشرير الذي في الخارج! الشرير فينا! ولكن هذا الشرير ذاته لا يُلَام، بل نلوم أنفسنا أننا سمحنا له أن يدخل لقلوبنا ويشوش سلامنا! لنفترض أن إنسان يهددنا، ويتكلم عنا لأفعال سيئة. ليفعل هكذا، لأن لهذا الشخص إرادته الخاصة، فليقوم بعمله! ولنقم نحن بعملنا: بأن نحافظ على سلامنا الداخلي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأب المتنيح الأرشمندريت «ثاديوس الفيتوفنيكي»
رئيس دير فيتوفنيكا في صربيا
عن الأفكار - الفقرات من 17-21
* اللوحة للفنان مايكل انجلو، عن المحاربات الروحية ضد الأفكار عند القديس انطونيوس